تصدّع المشهد الداخلي في “إيران الملالي”!

خاص “المدارنت”
تفرض التطورات الميدانية الأخيرة في إيران، تساؤلات جوهرية حول حيوية الفعل السياسي المعارض وقدرته على اختراق القبضة الأمنية المحكمة؛ فمع حلول ذكرى “20 يونيو” المحطة التي تعتبرها المقاومة الإيرانية نقطة التأسيس لـ”جيش التحرير الوطني”، ويوم “الشهداء والسجناء السياسيين”، شهدت الجغرافيا الإيرانية، نشاطاً استثنائياً اتخذ طابعاً رمزياً وعملياتياً في آن واحد.
إن رصد هذا الحراك لا يتطلب قراءة عاطفية بل يستوجب تحليلاً استراتيجياً لبنية التحدي الذي تفرضه هذه المجموعات التي تُعرف بـ”وحدات المقاومة” على استقرار النظام القائم.
اتساع الرقعة الجغرافية وتحدي المنظومة الأمنية
لم تعد أنشطة المقاومة الإيرانية، محصورة في الأطراف أو التجمعات الاحتجاجية العفوية.. بل أظهرت العمليات الأخيرة في أكثر من 20 مدينة، تشمل مراكز الثقل السياسي والاقتصادي مثل طهران وتبريز وأصفهان والأحواز، تطوراً نوعياً في التنسيق الميداني.
إن التمكن من نشر صور قيادة المقاومة وتعليق اللافتات الضخمة في قلب المدن، ووضع أكاليل الزهور في مواقع رمزية، بالتزامن في توقيت واحد يعكس اختراقاً أمنياً للمساحات العامة التي طالما فرضت عليها السلطات رقابة مشددة.. هذا الحراك وفق تقارير رصد إقليمية يشير إلى انتقال المقاومة من مرحلة التعبير عن السخط، إلى مرحلة المواجهة الرمزية المنظمة التي تهدف إلى كسر حاجز الخوف لدى الشارع.
دلالات التوقيت.. استحضار الذاكرة كأداة سياسية
تحمل ذكرى الـ”20 من يونيو” دلالة سياسية تتجاوز البعد التاريخي؛ فهي تُمثل محاولة لاستحضار الشرعية الثورية وربط الحاضر بمسارات المقاومة الطويلة.
إن استراتيجية “وحدات المقاومة” في استغلال هذا التاريخ ليست عشوائية بل هي رسالة موجهة للداخل والخارج مفادها أن بنية المقاومة، لم تُستنزف رغم العقود الطويلة من القمع، وأن هناك شبكة تنظيمية لا تزال قادرة على الفعل؛ في التحليل الجيو/ سياسي، يشكل هذا النشاط ضغطاً متواصلاً على صانع القرار في إيران، الذي يواجه تحديات اقتصادية هيكلية وتوترات إقليمية، مما يجعل “الجبهة الداخلية” خاصرة رخوة؛ قابلة للتوسع في حال حدوث أي تصدع في هيبة المؤسسة الأمنية.
المقاومة كمتغير في المعادلة الجيو/ سياسية
بعيداً عن الخطاب الأيديولوجي يرى المراقبون الدوليون، أن وجود نشاط ميداني منظم يضع النظام الإيراني أمام معضلة استراتيجية.. فإما التصعيد الأمني المكثف الذي قد يؤدي إلى مزيد من الانعزال، وتأليب الرأي العام أو محاولة الاحتواء التي أثبتت فشلها في استيعاب التذمر الشعبي المتزايد.. وإن بروز “وحدات المقاومة” كفاعل ميداني يعني أن أي مقاربة دولية تجاه الملف الإيراني، لن تقتصر بعد الآن على التفاوض مع أجهزة الدولة بل ستأخذ في الحسبان وجود قوى مضادة تفرض أجندتها على الأرض؛ هذا الواقع يُعقد حسابات النظام إذ يصبح من الصعب تقديم صورة “الاستقرار المطلق” بينما تتحدى لافتات المقاومة سيطرة أجهزة نظام الملالي في شوارع كبريات المدن.
آفاق التحول بين الضغط الميداني والواقع الاقتصادي
إن نجاح هذه الوحدات في الحفاظ على استمرارية حضورها؛ يعتمد بشكل جذري على قدرتها على التمدد الشعبي وربط مطالبها السياسية بالمعاناة الاقتصادية التي يمر بها المواطن الإيراني.. فالنتائج السياسية المرجوة من مثل هذه العمليات، لا تكمن فقط في الفعل الرمزي ذاته بل في تراكم هذا الفعل، ليتحول إلى كتلة حرجة قادرة على التأثير في توازنات القوى، وفي ظل الظروف الراهنة تبدو هذه النشاطات بمثابة “جس النبض” يقيس مدى قابلية الشارع للتحرك ومدى تماسك الأجهزة الأمنية في مواجهة سلسلة من التحديات الموزعة جغرافياً وتُرهق أجهزة الرصد والاستخبارات.
ختاماً.. إن ما شهدته المدن الإيرانية في ذكرى “20 يونيو”، ليس مجرد حدث عابر في تقويم المقاومة بل هو مؤشر على استراتيجية نفسية وسياسية ترمي إلى إعادة تعريف التوازن الداخلي؛ فالمعركة التي تُخاض اليوم في شوارع المدن الإيرانية، هي معركة وجود وصراع إراداتٍ حيث يُنتظر أن تحدد الأيام المقبلة، ما إذا كانت هذه “الوحدات” قادرة على تحويل هذا الزخم إلى تحول سياسي طويل الأمد، أم أنها ستظل محصورة في إطار الضغط النوعي الذي يزعزع هيبة السلطة دون المساس بجوهر هيكلها القائم.



