مقالات

تصنيف “الحرس الثوري” إرهابياً وأبعاد القرار البريطاني!

حسين عابديني/ بريطانيا

خاص “المدارنت”
لم يكن القرار البريطاني الأخير بتصنيف “قوات حرس النظام الإيراني” (الحرس الثوري) كمنظمة إرهابية، مجرد إجراء قانوني أو دبلوماسي عابر، بل هو تحول سياسي استراتيجي يعكس إدراكاً دولياً متزايداً لطبيعة هذا الجهاز الذي شكّل، طوال أكثر من أربعة عقود، الأداة المحورية والركيزة الأساسية لاستمرار نظام ولاية الفقيه. فهذا التشكيل لم يكن يوماً مؤسسة عسكرية تقليدية لحماية الدولة، بل تأسس كأداة للقمع الداخلي المطلق، وإدارة التدخلات الخارجية، وتصدير الحروب عبر الميليشيات المسلحة، مما جعل وجوده مرتبطاً بصورة عضوية بسياسات زعزعة الاستقرار في المنطقة والعالم.

ويكتسب هذا القرار أهمية بالغة بالنظر إلى التوقيت؛ إذ يأتي في لحظة تاريخية يواجه فيها نظام الملالي أزمات داخلية وخارجية غير مسبوقة، تتبدى في تراجع قدرته على فرض معادلاته السابقة بعد مأزق وراثة السلطة وتصاعد الغليان الشعبي. ومن هنا، فإن استهداف الحرس الثوري يمثل ضربة قاصمة لأهم أدوات النظام الحيوية للحفاظ على بقائه.

أربعة عقود من التحذير والمثابرة السياسية
إن هذا التطور الاستراتيجي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء ثمرة عقود طويلة من الكفاح السياسي والعمل الحقوقي الدؤوب الذي قادته المقاومة الإيرانية لكشف الحقيقة العارية لهذا الكيان الإرهابي أمام المجتمع الدولي. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، أكد المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ومنظمة مجاهدي خلق أن الحرس الثوري هو الأداة المركزية للقهر والسرق واستمرار الفاشية الدينية، محذرين مراراً من أن سياسة استرضاء هذا النظام والمماطلة في كبح جماحه لن تؤدي إلا إلى توسيع نطاق الإرهاب، وإشعال الحروب، وتكثيف الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان.

وفي هذا السياق، يأتي تثمين السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المقاومة الإيرانية، لقرار الحكومة البريطانية ليضع النقاط على الحروف؛ ورغم تأكيدها على أن هذه الخطوة جاءت متأخرة جداً، إلا أنها اعتبرتها مقتضىً حتمياً وصمام أمان للسلام والأمن الإقليمي والدولي. ولم يفت السيدة رجوي الإشادة بأربعة عقود من المتابعة الحثيثة والجهود المضنية التي بذلها أعضاء مجلسي العموم واللواردات البريطانيين، ولا سيما أعضاء “اللجنة البريطانية من أجل إيران حرة”، الذين خاضوا معركة سياسية وإعلامية طويلة لتهيئة المناخ الدولي لهذا القرار التاريخي.

من الرمزية السياسية إلى الحتمية العملية.. إسقاط آلة القمع
إن القيمة الحقيقية للقرار البريطاني لا تكمن في رمزيته السياسية وعزل الحرس الثوري وتقويض شبكاته المالية والاستخباراتية فحسب، بل في كونه يفتح الباب لنهج دولي شامل وعملي يتجاوز لغة الإدانات. لقد حان الوقت للمجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي للتعامل مع الحرس الثوري والنظام الحاكم برمته كـ “كيان ترأسي” موحد، دون أي اعتبارات سياسية أو اقتصادية واهية.

إن المقاومة الإيرانية تؤكد أن أحد الأبعاد والالتزامات العملية الجوهرية لإدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب هو الاعتراف الرسمي بحق الشعب الإيراني ووحدات المقاومة في نضالهم المشروع لإسقاط هذا الجهاز القمعي. فلم يعد ممكناً الفصل بين تجفيف منابع إرهاب النظام في الخارج، وبين دعم الحراك الشعبي في الداخل؛ فالأمران يمثلان وجهين لعملة واحدة.

الكلمة الأخيرة
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن مواجهة خطر النظام الإيراني لا يمكن أن تنجح عبر العقوبات المجزأة أو المفاوضات الدبلوماسية العقيمة، بل تتطلب تبني بديل ديمقراطي حقيقي ومنظم. إن تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية هو خطوة كبيرة في الاتجاه الصحيح، لكنها تظل ناقصة ما لم يستكملها المجتمع الدولي بالوقوف الحازم إلى جانب إرادة الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة لكسر شوكة الحرس الثوري، وتفكيك منظومة القمع، وتدشين عصر جديد من الحرية والديمقراطية عبر قيام جمهورية تعددية تقوم على سيادة القانون وفصل الدين عن الدولة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى