حافة الهاوية واستراتيجيات البقاء لنظام ولاية الفقيه!

خاص “المدارنت”
هندسة البقاء.. الإعدام كأداة سياسية والحروب كدرع واقٍ
في خضم أزمات هيكلية غير مسبوقة تضرب الاقتصاد المنهار والعزلة الديبلوماسية المتصاعدة، يواصل النظام الحاكم في إيران، الاعتماد على آلية الإعدام المنهجي بوصفها الركيزة الأساسية لضمان بقائه السياسي. إن السلطة القضائية داخل هيكل ولاية الفقيه تفتقر إلى أي استقلال مؤسسي، حيث تتحول أحكامها المبررة بـ”الإخلال بالنظام العام” و”أمن البلاد” إلى أدوات لترهيب مجتمع متخم بالغضب والرفض.
وتؤكد التقارير الميدانية المستقلة ورصد منظمات حقوق الإنسان الدولية أن هذه الممارسات لم تعد مجرد إجراءات أمنية طارئة، بل أضحت عقيدة حكم يومية تواجه بها السلطة اتساع رقعة الانتفاضات الشعبية التي تقودها وحدات المقاومة عبر استهداف مراكز الهيمنة والإجرام في مختلف المدن الإيرانية.
ثنائية الاستراتيجيات.. الحرب والسلام في الميزان الجيوم سياسي
تشهد السحة السياسية الإيرانية تقاطعاً حاداً بين استراتيجيتين متضادتين طوال العقود الخمسة الماضية: استراتيجية الحرب والقمع التي يتبناها النظام، واستراتيجية التغيير والحرية التي تمثلها قوى المعارضة الحية. يرى صناع القرار في طهران أن افتعال الأزمات الإقليمية وإدامة حالة الحرب الخارجية يمثلان طوق نجاة لفرض حالة من الطوارئ الأمنية وتحييد الغضب الداخلي.
وفي المقابل، ترفض قوى المقاومة الوطنية الدخول في مسارات تفاوضية زائفة تعيد تدوير الاستبداد، معتبرة أن أي حوار مع بنية دكتاتورية لا يعدو كونها شرعنة لجرائمها. هذا الصراع لا يقتصر على الميدان العسكري، بل يتجلى في معركة أخلاقية وسياسية بين منهج الأكاذيب والتخويف الذي تمارسه الأجهزة الأمنية، ومنهج التضحية والصدق الثوري الذي يجسده الشباب الثائر في الشوارع.
اقتصاديات العنف.. لماذا يتمسك النظام بمسار الإعدامات؟
تشير القراءات التحليلية للمشهد الداخلي، بما في ذلك تقديرات شخصيات معارضة مثل مريم رجوي، إلى أن تصاعد وتيرة الإعدامات بحق أنصار مجاهدي خلق والشباب الثائر يعكس حالة من الذعر الوجودي لدى القيادة الدينية السياسية. يسعى النظام عبر هذه الموجات الدموية إلى قطع الطريق أمام أي انفجار اجتماعي محتمل، متوهماً أن لغة المقصلة والاعتقال قادرة على كسر الإرادة العامة.
وهنا يبرز المفهوم الذي أرساه مؤسس الجمهورية الإسلامية بوصف الحرب بأنها “نعمة إلهية”، في إشارة ضمنية إلى استثمار التوترات الخارجية لصرف الانتباه عن الانهيار المعيشي وتبرير قمع الحريات الأساسية تحت ذريعة الأمن القومي.
دور القوى الغربية.. سياسات الاسترضاء وظلال “رقابة القرن”
على الصعيد الدولي، تلعب سياسات الاسترضاء الغربي دوراً معقداً في إطالة أمد الصراع، حيث تسعى أطراف دولية مختلفة إلى الحفاظ على استقرار هش عبر غض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة في إيران. وتؤكد الوثائق الميدانية أنه لولا صمود التيار المناهض للدكتاتورية لكانت طهران قد نجحت بالكامل في فرض بدائل مصطنعة واحتواء الحراك الشعبي.
وتتضح ملامح هذا التواطؤ الدولي من خلال ما يمكن وصفه بـ “رقابة القرن” المفروضة على أصوات المقاومة المشروعة، عبر تقويض حضورها الإعلامي والسياسي، وتجاهل الخطاب الذي يدعو إلى تأسيس نظام ديمقراطي يقوم على السلام والحرية.
سجل الدم: محطات مفصلية في مسار الاستبداد
لا يمكن فهم الطبيعة الصلبة لنظام ولاية الفقيه دون العودة إلى سجله التاريخي في قمع المعارضة والذي يتضمن محطات دمويّة فارقة:
مجزرة صيف 1988: الإعدام الجماعي لأكثر من 30 ألف سجين سياسي بأوامر مباشرة من القيادة العليا.
الاغتيالات السياسية: تصفية المثقفين والمعارضين خلال حقبة التسعينيات عبر لجان بيت الولي الفقيه.
قمع الانتفاضات المتتالية: إدارات الدم والعنف الممنهج خلال احتجاجات 2009، 2017، 2019، 2022، وصولاً إلى انتفاضات عام 2025 والعام الجاري 2026.
التمدد الإقليمي والنووي: إشعال الحروب بالوكالة وتطوير البرامج العسكرية المزعزعة لاستقرار الإقليم.
الخاتمة الاستراتيجية.. الحتمية التاريخية وإسقاط المنظومة
في تحليل مآلات الصراع الراهن، يتبين بوضوح أن النظام الإيراني بات رهينة لمعادلة صفرية؛ فهو لا يستطيع التخلي عن سياسة الإعدامات والحروب دون أن يفقد دعائمه الداخلية. إن محاولات فرض السيطرة عبر العنف لن تزيد المجتمع إلا إصراراً على تقويض أركان الاستبداد. وبناءً عليه، تثبت الوقائع الجيوسياسية أن أي استقرار حقيقي ومستدام في المنطقة يظل مرهوناً بـ إسقاط بنية ولاية الفقيه بالكامل، باعتبارها العقبة الكؤود أمام قيام نظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان ويكرّس مبادئ السلام والتعايش السلمي.



