رغم الحصار منذ 39 يومًا.. حاويات نفايات لإيصال احتياجات 3 أسَر فلسطينية بـ”قصرة”!

“المدارنت”
في بلدة “قصرة” جنوب نابلس، شمالي الضفة الغربية، لم يعد الوصول إلى الخبز والدواء أمرا يرتبط فقط بالمسافة أو الوقت، بل أصبح رحلة شاقة تمر أحيانا عبر حاوية نفايات، بعد أن وجدت 3 عائلات فلسطينية نفسها معزولة داخل منازلها في منطقة رأس العين منذ 39 يوما.
وتعيش العائلات، وفق رئيس بلدية قصرة عبد العظيم الوادي، تحت قيود إسرائيلية تحد من وصولها إلى محيطها، في ظل وجود مستوطنين في المنطقة وإجراءات عسكرية إسرائيلية مستمرة.
ويقول الوادي إن الوضع ما زال على حاله، مشيرا إلى أن هناك ترتيبا جديدا يقضي بالسماح للعائلات وحدها بالدخول إلى المنطقة والوصول إلى منازلها، وهو ما ترفضه العائلات والمجتمع المحلي.
ويوضح أن جبل رأس العين لا يقتصر على المنازل الثلاثة، إذ توجد فيه منازل أخرى قيد الإنشاء، وأراض مزروعة بأشجار الزيتون، إضافة إلى مصالح ومحال تجارية، ما يجعل تقييد الوصول إليه مؤثرا على حياة سكان آخرين وأعمالهم.
كأنهم في سجن
ويصف رئيس البلدية أوضاع العائلات الثلاث بأنها “بالغة الصعوبة”، بسبب عزلها عن محيطها الاجتماعي وتعقيد وصول الاحتياجات الأساسية إليها.
ويقول إن تأمين المواد الغذائية “يتم أحيانا بطرق غير اعتيادية”، موضحا: “نرسل لهم الأشياء من خلال سلة النفايات، من خلال الحاوية”، مشيرا إلى أن “آخر طرود غذائية وصلت إلى العائلات بهذه الطريقة”.
ويضيف أن السكان “ينتظرون تحركا ينهي الحصار، لكنهم في الوقت نفسه يتمسكون بمنازلهم ويرفضون مغادرتها”.
ويقول الوادي إن العائلات “معزولة اجتماعيا وتربويا وكل شيء”، واصفا واقعها بأنه “كأنهم في سجن”.
|ولا يقتصر تأثير الحصار على الحياة داخل المنازل، بل يمتد إلى أعمال السكان، إذ يشير الوادي إلى تعطل مصالح عدد منهم.
وضرب مثالا بالفلسطيني قصي، الذي يملك محالا تجارية، موضحا أنه “لم يتمكن من الوصول إليها منذ نحو شهر وعشرة أيام، ما أدى إلى توقف عمله”.
الخوف في الطريق
يقول يوسف عبد السلام، أحد سكان المنازل المحاصرة إن “المشكلة الأساسية لم تُحل رغم مرور أسابيع، وإن الخروج من المنزل لا يزال محفوفا بالخوف بسبب وجود المستوطنين في المنطقة”.
ويضيف أن “أي خروج من المنزل يتطلب مراقبة الطريق، خشية مصادفة مستوطنين عند العودة في محيط المنزل أو داخله”.
ويتابع عبد السلام: “إذا أردت أن أخرج من المنزل، أخشى أن أعود إلى البيت فأجد المستوطنين جالسين في حوش (فناء) الدار”، مشيرا إلى اعتماد السكان على المراقبة والكاميرات لمتابعة ما يجري حول منازلهم.
ويوضح أن “الخوف لا يقتصر عليه، بل يشمل أفراد أسرته والشبان الذين يخشون مراقبتهم أثناء تحركاتهم في الطريق”.
وعن تفاصيل الحياة اليومية بعد 39 يوما من الحصار، يقول عبد السلام: “الحياة صعبة جدا، خصوصا مع الأطفال”.
ويضيف أن “بناته تأثرن كثيرا بالوضع، وأن إحداهن حُرمت من الذهاب إلى الروضة، فيما يعيش الأطفال واقعا مختلفا عن حياتهم الطبيعية”.
ويقول عبد السلام: “الأطفال لا يفهمون ما هو الحصار، ولا يفهمون ما هو السجن، ولا يفهمون هذه الحياة”.
أيام لبلوغ الاحتياجات
أما تأمين الاحتياجات الأساسية، فيقول عبد السلام إنه يتم عبر التنسيق مع الهيئة العامة للشؤون المدنية (الارتباط الفلسطيني الإسرائيلي)، “لكن الأمر يستغرق وقتا طويلا”.
ويوضح: “إذا احتجنا شيئا يكون من خلال التنسيق، ويصل بعد أربعة أيام”، مشيرا إلى أن الأمر “يشمل الخبز والمواد الغذائية وحتى الأدوية”.
ويضيف عبد السلام أن “هناك حديثا عن طلب تصاريح لمن يريد الوصول إلى المنازل أو الخروج منها والعودة إليها، لكن العائلات لم تتلق توضيحات بشأن أسباب هذه الإجراءات”.
ويردف: “لا أحد أوضح لنا ما الذي يحدث”، في ظل استمرار وجود المستوطنين في المنطقة.
بداية الحصار
وبدأ حصار المنازل الثلاثة في منطقة رأس العين في 9 آب/ أغسطس، حيث واجهت 3 عائلات تضم نحو 13 شخصا قيودا على الدخول والخروج ووصول الغذاء والمياه والاحتياجات الأساسية.
وفي الأيام الأولى، قال رئيس البلدية عبد العظيم الوادي إن جيش الاحتلال الإسرائيلي أعلن المنطقة عسكرية مغلقة، فيما انتشر المستوطنون في محيط المنازل.
وذكرت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية (التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية) أن الطرق المؤدية إلى المنازل أغلقت بالحجارة، وترافق ذلك مع عرقلة وصول الغذاء والمياه والأدوية وقطع خطوط المياه والكهرباء.
وفي 18 آب/ أغسطس، قال عبد السلام إن الجيش الإسرائيلي حوّل أحد طوابق منزله إلى ثكنة عسكرية، فيما بقي والداه المسنان في طابق آخر، بينما اضطر هو إلى الانتقال إلى منزل محاصر مجاور.
كما حاول ناشطون فلسطينيون وأجانب وإسرائيليون في 14 آب/ أغسطس الوصول إلى المنازل الثلاثة لإيصال الماء والطعام والأدوية، لكن القوات الإسرائيلية منعتهم من الوصول، قبل أن يتمكنوا لاحقا من إيصال بعض الاحتياجات الأساسية للسكان.
وحذرت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان من تحول حصار المنازل في قصرة إلى حصار ممتد يهدف إلى عزل العائلات ودفعها إلى مغادرة منازلها، مستشهدة بما جرى لعائلة فلسطينية في بلدة جالود المجاورة بعد حصار منزلها لأكثر من 3 أشهر.
وبعد 39 يوما، يقول سكان المنازل الثلاثة إن مطلبهم الأساسي يتمثل في العودة إلى حياة طبيعية، تتيح لهم الوصول إلى منازلهم والخروج منها وتأمين احتياجاتهم، دون أن يتحول بقاؤهم فيها إلى عزلة طويلة الأمد.
اعتداءات المستوطنين
وخلال آب/ أغسطس الماضي، نفذ المستوطنون 628 اعتداء إرهابيًا في الضفة الغربية المحتلة، وفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية.
ومنذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تشهد الضفة الغربية تصعيدا إسرائيليا متواصلا، بالتزامن مع تصاعد إرهاب المستوطنين بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم.
ومنذ عام 1967، تحتل إسرائيل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ويعتبر المجتمع الدولي المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، بينما تواصل تل أبيب الاستيطان رغم الانتقادات الدولية.
ويحذر الفلسطينيون من أن إسرائيل تمهد بالاعتداءات الإرهابية لإعلان ضم الضفة الغربية إليها رسميا، ما يعني تقويض إمكانية إقامة دولة فلسطين المنصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
وفي عام 1948، أقيمت إسرائيل على أراض فلسطينية احتلتها عصابات صهيونية مسلحة ارتكبت مجازر وتسببت في تهجير ما لا يقل عن 750 ألف فلسطيني، قبل أن تحتل تل أبيب بقية الأراضي وترفض الانسحاب منها.



