مقالات

حـلـــب لــن تـمـــوت .. والــثــــورة لــن تُــهــــزم!

الكاتب العربي/ السوري الراحل محمد خليفة/ السويد

“المدارنت”..
ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة في التاريخ، تتغلب الفاشية على ثورة نبيلة, وتتمكن البربرية من تدمير  حضارة, ويصرع السلاح بشرا آمنين, ويتفوق العضل على العقل, ويطغى الباطل على الحق.
بالامس القريب استباح جورج بوش بغداد, وقبلها دمر كراجيتش سراييفو, وقبلهما اجتاح شارون بيروت, وأباد بوتين غروزني, وهزم فرانكو الثورة الاسبانية.. هكذا دواليكم حتى سقوط بغداد تحت سنابك خيل المغول والتتار, وسقوط القدس في أيدي الصليبيين, وسقوط الاندلس في ايدي المتطرفين.. إلخ.
حلب الشرقية التي استباحها واجتاحها الفاشيون هي مثال آخر, فهي رحم الحضارة, ورمز الثورة والحرية أمام البربرية والوحشية.
حي “المغاير” هو المكان الوحيد في العالم الذي يحمل أقدم طراز للعمارة البشرية على سطح الارض والاونيسكو تعلم هذا وطالبت بحمايته وصنفت حلب بأكملها جزءا من تراث العالم الحضاري, ولكن الاسد وبوتين دمراه بالقصف الوحشي المتكرر خلال خمس سنوات.
حي ”الكلّاسة” أقدم حي أسسته وسكنته قبائل العرب قبل الفتح الاسلامي بقرن على الأقل, كنا نسميه (عاصمة حلب) تقديرا لمقاومته للاحتلال الفرنسي ومقاومته لجيش الانفصال عام 1961 ببطولة فذة.
أما  “حي  الصالحين”،  فيضم قبور وآثار مئات الانبياء والاولياء، بما فيهم اثر قدم خليل الله ابراهيم عليه السلام مطبوعة على الحجر.
أما ”حي الأصيلة ” فيزيد عمره على ألفي سنة, ومع ذلك يبدو كأنه بني قبل عشرين سنة  لشدة نضارته وقوة بنيانه.
وأما حي الصليبة, فهو حي الكنائس والمجتمع المسيحي العريق, أحد ابنيته تملكه وتسكنه نفس العائلة منذ الف سنة بالتمام والكمال.
أسواق ”المدينة” هي اكبر اسواق مسقوفة في العالم, تمتد عشر كيلومترات على الاقل.. حرارتها لا تتغير لا صيفا ولا شتاء, ولا ليلا ولا نهارا, وروائح العطور والبهارات تعشش فيها منذ مئات السنين.
المسجد الاموي الذي بناه الوليد بن عبد الملك على نفس طراز المسجد الاموي بدمشق ويضم مقام الرسول الكريم زكريا, كما يضم الآخر مقام ابنه يحيى عليهما السلام, ومنبرا من عصر صلاح الدين, وآثارا من الرسول محمد عليه الصلاة والسلام.

القلعة الشامخة منذ عشرة آلاف سنة في وسط المدينة العملاقة
في هذه المباني والكنائس والمساجد والزقاقات والاسواق، التي لا مثيل لها في أي حاضرة اخرى في العالم نشأت الحضارة, وترعرعت مع التاريخ, وازدهرت الأمجاد بفضل مجتمع لا يضاهيه مجتمع آخر بالتسامح والتفاعل  والابداع والبناء والتجارة.
دخل رعاع (النجباء) وأوباش (حزب الله) تتقدمهم عصابات الأسد هذه الاحياء الاسبوع الماضي وانخرطت في ممارسة ”نصرها” الذي تعلمت فنونه من شارون وبوش وقاسم: عمليات اعدام جماعية, احراق بنايات  كاملة بسكانها, ذبح لرجال وشبان يشتبه بأنهم كانوا مقاتلين. بعض الشهود أرسلوا لنا رسائل عبر (تليغرام)  تصور ما رأوا: خلال نزوحنا المتكرر من حي الى حي في يوم واحد شاهدنا مسلحين من الاوباش يضرمون النار في بيت يضم أما وأربعة اطفال, ورأينا عشرات الشبان يعدمون في شوارع بستان القصر والكلاسة والفردوس. وقالوا: هناك جثث كثيرة مضى على وجودها في الشوارع أكثر من اسبوع.. وحالات موت  بين الاطفال بسبب الجوع والبرد, عشرات الوف الناس لا يجدون أماكن تحميهم من القصف, أو البرد, فينامون في زوايا المباني المدمرة.. هناك معاناة مخجلة لا يحتملها بشر.
هناك فنون خاصة بالحالة السورية ابتكرها جنود الاسد, وعلى رأسها فن (التعفيش) الذي برع به  “جيش البعث  العقائدي”، وتمرن عليه منذ اجتياحه للبنان عام 1976: نهب المنازل.. هذا السلوك ماركة خاصة تميز عصابات آل الاسد.
ما جرى يمثل اضافة نوعية على ميراث تاريخي: تل الزعتر, صبرا وشاتيلا من لبنان, حلب 1980, حماة  1982, وفلوجة وحويجة من العراق. “أبطالها”  يحملون رخصا  دينية بالقتل من السيستاني وخامنئي ونصر الله وبطريرك روسيا وتعليمات حاسمة من بوتين والاسد. ولا شك أن هؤلاء جميعا يشعرون اليوم بأعلى درجات النشوة واللذة.. السادية!
كان بإمكان السكان الحلبيين الخروج من المعابر التي حددها لهم الروس منذ ثلاثة شهور, ولكنهم اختاروا الموت بهذه الطريقة على الاستسلام, ليقينهم أن ما ينتظرهم من هوان قبل أن يلاقوا حتفهم المحتوم بطرق وحشية, كما حدث لمن صدق وعود الروس واعوانهم. وكان بإمكان الثوار المدافعين عن مدينتهم وأهاليهم الاستسلام ورمي السلاح طمعا بالبقاء على قيد الحياة, كما وعدهم لافروف ودي ميستورا ولكنهم رفضوا بإباء القاء السلاح أو الاستسلام.. لأنه فعل شائن لا يليق بهم بعد خمس سنوات من القتال البطولي.
لحظة قاتمة, بقعة سوداء كبيرة, في تاريخ الانسانية, جريمة دولية عابرة للقارات, تحمل بصمات قادة كبار في الشرق والغرب والجوار, جريمة قتل مدبرة, جريمة اغتصاب جماعية, عملية سطو منظم… ولكنها أيضا  جريمة غير قابلة للتقادم, ولا للنسيان, ولا للصفح, لأن الضحية لن تتنازل عن العدالة والقصاص.
هؤلاء الذين أضرموا النار في سورية واججوها لاحراق أكثر شعوب الارض مظلومية لا يعلمون أن اللهب انتقل لأطراف ثيابهم وسينتقل لبيوتهم وبلدانهم. لا يعلمون أنهم ارتكبوا أقبح جريمة في التاريخ الحديث منذ الغزو التتاري – المغولي, وأبشع فتنة دينية ستمتد مائة عام قادمة على الاقل, وأن الدائرة الدموية ستدور عليهم حتما. وستكون خسارتهم الاكبر في المستقبل, حين يدفعون ثمن خيانتهم القذرة وسلوكهم المقزز لشركائهم في الوطن والجنس والدين, وانحيازهم للفرس والروس انحيازا أعمى.
هذه ليست ورقة نعي لحلب, ولا للثورة السورية. حلب قياسا الى ماضيها وامكاناتها ستنهض وتستأنف التاريخ مهما كانت خسائرها وآلامها الآن، ولن يستطيع احد تغيير هويتها وسلخها من تاريخها الخالد.
والثورة لن تتوقف طالما بقي “النظام” الذي يمثل أكثر الفئات والفعاليات الاجتماعية في أي بلد وعصر انحطاطا واجراما وفسادا, وطالما بقي الايرانيون والروس وزمرهم الارهابية يعبثون بسوريا.
ومن يقرأ تاريخ سوريا تحت وصاية الاسد سيجد أن سحق كل انتفاضة شعبية تعقبها ثورة أشد ضراوة وأكثر عنفا. في 1964 كانت انتفاضة حماة, وعندما قمعت حدثت ثورة حلب عام 1966, وبعد قمعها ولدت انتفاضة 1972, وبعد سحقها جاءت انتفاضة حلب وحماة والشمال عام 1979 – 1982 واستمرت اربع سنوات, وبعد سحقها تكونت عوامل انتفاضة وثورة 2011, وهذه الثورة هي الأخيرة والنهائية لأنها غير قابلة للسحق ولو اجتمع العالم عليها. التاريخ لا يعود للوراء, ومحال أن يستتب الوضع لطغمة اعادت البلد الى القرون الوسطى وحكمته بطريقة دموية ارهابية, واثبتت أنها معادية لشعبها وحضارته.
ما جرى في حلب عار عالمي, ولكنه مفخرة لثوارها. وهو في كل الاحوال ليس خاتمة تاريخ, ولا نهاية شعب, ولا هزيمة ثورة.. بل سطر في كتاب الزمن, ولحظة عابرة في نهر الزمن, ستنطوي برغم مأساويتها وقتامتها.
* نشر في “الشراع” اللبنانية في 16 – 12 – 2016

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى