مقالات

خبر قصير.. تحت ضغط القنبلة..!

د. محمود المسلماني/ لبنان
خاص “المدارنت”..
السيارة تسير سيرها المعقول . الطريق جبليّة ، تمضي بين تعرّج وانفراج في خطّ انحداريّ ، ينعطف هنا ، ويستقيم هناك .
كنت أقودها ، وتيّار من هواء معتدل ينساب داخلها فيشعرني بالدفء والاطمئنان ؛ فيما كان الجوّ خارجا” مشبعا” بالبرودة والمطر الغزير .
المكان من حولي يكاد يملأه عراء شامل ، لا شجر ولا بشر سوى مساحات عشبيّة خضراء تلمحها في بقاع سهليّة من بعيد ، وكهوف تمرّ بها ، وهي تقضم التلال والمرتفعات من حولك.
في هذا الجوّ البارد الماطر كان السكون سيّدا” مطلقا” لا ينازعه سلطانه غير ذلك الرشاش المنهمر الذي يتساقط بعضه بين يديّ ماسحتيّ الزجاج أمامي.
كنت مستسلما” لتيّار الدفء المنتشر داخل السيّارة ، مستنيما” لشعور بالهدوء والخدر اللذيذ عندما ارتطمتُ بمفاجأة اهتزّت لها جوارحي بقوّة .
صبيّ في حدود الرابعة عشرة سنّا” يقفز الى منتصف الطريق يستوقفني بإشارة من يده. بضعة عشر مترا” كانت تفصلني عنه . لم يكن الموقف ليحتمل تردّدا” . وبسرعة وعفويّة تمسك يداي بمقود السيّارة جيّدا” ، وتضغط القدم على مكبحها تستوقفها عند حدود المسافة المناسبة . وتتوقّف العجلات قبل امتار قليلة من الصبيّ .
كنت إزاء صبيّ غير عاديّ . خيّل إليّ لأول وهلة انّه ينتمي الى كائنات تلك الكهوف التي مررت بها من ثعالب وكلاب وذئاب … كان ذا مظهر مريع ؛ قامة فارعة رشيقة . وجه تكسوه طبقة من تراب موحل ، تكاد تغيب معها ملامح صاحبه ، ورأس يعلوه شعر لم تتعهّده يد العناية يوما” ، فبدا كثيفا” اشعث طويلا” ، تلامس أطرافه حدود الكتفين . على جسده خرقة تشبه قميصا” تخلّلته شقوق متعدّدة ، وغابت فيه الألوان تحت طبقة من غبار وحليّ سائل ، وبنطال يستر الساقين الناحلتين ، ويكاد يبلغ الكاحلين إلا قليلا” .
كان هذا الصبيّ يقف أمام سيارتي وقفة اللامبالاة لا يهوله خطر الصدم . كان يقف متحدّيا”. في يمناه بندقية صيد وفي اليسرى أرنب برّيّ وبضعة طيور هي ثمرة صيده هذا اليوم .
لم يكن مظهر الصبيّ في وقفته اللامبالية المتحدّية أمام السيارة ليعكس حقيقة جوهره. كان في الواقع نموذجا” لإنسان مختلف ؛ فما أن توقّفت السيارة حتى أسرع الى جانبي يستعطفني معتذرا”، يعرض عليّ شراء الأرنب والطيور التي اصطادها هذا اليوم .
” دخيلك يا خواجا، لا تواخزني وقّفتك بهالطريقه . كنت أومي للسيارات ما حدا يوقف . بدّي تشتري منّي هالأرنب وهالكم طير اللي تصيّدتهم اليوم . أمّي مريضه وبحاجي اشتريلها دوا”.
كان يتكلّم بحرارة ، والدموع تسيل على خدّيه ، وآثار البؤس والعوز تنطق على لسانه بما يشبه التوسّل والاستجداء .
انتابني حيال وقع المفاجأة مزيج من الهلع والسخط والامتعاض ؛ فكيف يقفز الى أمام السيارة يعرّض نفسه ويعرّضني لخطر كبير ؟! لكنّ هذه المشاعر تحوّلت بعد سماع صوت استغاثته الأليم الى شعور واحد رسّخ حضوره في سويداء القلب هو شعور بالألم والحزن والإشفاق على هذا البؤس الذي سطعت معالمه في مظهره وحركاته وتوسّلاته.
فتحت باب السيارة عن يميني قائلا:
– فوت فوت من هالشتا .
– ما بدّي لوّتلك السيارة .
وبعد طول إصرار وممانعة دخل الصبيّ وجلس الى جانبي ، وقد هدأ روعه قليلا” . وكم كانت فرحته كبيرة عندما مددت يدي إليه بقطعة الخمسين ألفا” التي كانت ما تزال في جيبي اثناء عودتي من المدينة ذلك اليوم ، وعندما وعدته بشراء صيده مرّة أخرى حيث سأمرّ من هنا نهار الثلاثاء المقبل في نحو هذا الوقت .
همّ بتقبيل يدي ، وهو يقول:
” فيني إطلع معك ؟ بدّي اشتري الدوا لأمّي من ضيعه قريبه عطريقك .
أبعدت يدي بسرعة قائلا” :
– أكيد. ولاكِنْ بدّك تدلّني وين ساكنين وشو بيشتغلوا أهلك .
– دقايق ومنوصل . عطريقنا .
أقلعت السيارة من جديد، وشرع الصبيّ يخبرني عن أسرة تتألّف من أبوين وولدين هو الأكبر بينهما، وكيف أنّ الأب يعمل راعيا” لقطيع من الماشية يملكه أحد الاثرياء من سكّان البلدة المجاورة .
وعندما اقتربت السيارة من مكان سكن أسرة الصبيّ ، أشار اليه قائلا”:
– هنا نسكن .
“هنا نسكن” ؟! لم تقع عيناي على بيت كبيوت الناس . ماذا أرى؟! أيعقل أن يقيم آدميون هنا ؟! لا أدري كم هي المسافة الزمنية التي تفصلنا عن إنسان الكهوف والمغاور .
كنت أمام مشهد قطع بي تلك المسافة في ثوان ليضعني في مواجهة كهفين متجاورين ، اتُخذ الاول مأوى لعائلة والد الصبيّ ، والثاني مزربا” لبهائمه وغنماته . ولك أن تتخيّل شظف معيشة هذه العائلة على ما رواه لي ذلك الصبيّ في السيارة في أجوبته عن اسئلتي المتعدّدة .
مغارة هو ذلك البيت الذي يأوي عائلة الصبيّ . في باحته الترابية المفروشة بحصير من القشّ يجتمع المجلس والمطبخ والمنامة معا” .
الطهي والتدفئة شتاء” على الحطب بواسطة موقد اعدّته العائلة لهذه الغاية . النوم والجلوس على فُرُشٍ اسفنجية قديمة ممدودة على ذلك الحصير من القشّ . امّا الباب الذي يمنع عبور المطر والرياح الى البيت والحظيرة فهو باب من قماش الخيم التي تنصب في المناسبات .
هذه بضعة من تفاصيل البؤس الذي رواه ذلك الصبيّ في مصاحبته لي الى البلدة المجاورة لشراء الدواء لأمّه . وعندما ترجّل من السيارة ودّعني ببراءة الطفولة وصدقيتها وهو يذكّرني بما وعدته :
– رح كون ناطرك يوم التليتا ، والصيدات رح يكونو أكتر .
ذهب الصبيّ ، وتابعت الطريق الى منزلي والمشهد المؤلم لم يفارقني ذلك اليوم .
… ومضت أيام، واشتدّت برودة الطقس ، وجاءت توقّعات الفلك تشير الى تساقط الثلوج على المرتفعات الجبلية، وتأجّلت سفرة الثلاثاء ؛ فكانت فرصة لأنعم بدفء الحياة العائلية في منزلي مع الأهل، حيث المدفأة جاهزة ، ولا مكان للبرد في جنباته الدافئة .
مضت استراحة الثلاثاء في هذه الأجواء العائلية الدافئة ، وأقبل يوم الاربعاء مع تحسّن واضح في احوال الطقس . وكانت متعتي في تصفّح جريدة اليوم بتفاصيلها الدقيقة . كنت أقلّب صفحاتها متعقّبا” أخبار السياسة والاقتصاد والاجتماع عندما لفت انتباهي في احدى صفحاتها صور احتفالات البذخ والترف في القاعات الفخمة يحييها جمهور المحتفلين من نساء ورجال بأثواب أنيقة فاخرة تحاكي مستحدثات ” الموضة ” ، ووجوه لمّعتها المساحيق ومستحضرات التجميل . كلّ ذلك وسط مظاهر الزينة ، وعلى أنغام الموسيقا وأغاني الأعياد في احواء الفرح والسعادة والهناء .
لم تكن هذه الصور لتفاجئني . لقد كانت تمثّل وقائع مألوفة في مجتمعنا ؛ لكنّ الخبر – القنبلة الذي ما يزال يتفجّر في نفسي هو خبر قصير نشر في ذيل صفحة اخبار احتفالات الأعياد في الجريدة ، وهذا نصّه:
” عثر مساء أمس على جثّة صبيّ تجمّدت أطرافه بفعل تساقط الثلوج واشتداد البرد والصقيع؛ فسقط على قارعة الطريق والى جانبه أرنب وبضعة طيور في احد المرتفعات الجبلية”.
لا أدري ماذا حلّ بي وأنا اتشظّى تحت ضغط القنبلة . لقد انفجر خزّان الدموع في عينيّ . ألقيت الجريدة جانبا”، وغادرت المنزل هائما” ، لا وجهة لي ولا هدف . لا أدري إن كنت حافيا” أو كان الحذاء في قدميّ . منتهى غايتي أن امرّغ وجهي بالتراب ، وأن أملأ رئتيّ بنفحات من هواء نقيّ .
=========================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى