دلالات التصعيد العقابي في إيران على وقع الأزمات الهيكلية!

خاص “المدارنت”
المقدمة
تتخبط المنظومة الحاكمة في طهران وسط تقاطعات معقدة تجمع بين الضغوط الإقليمية المتنامية وتآكل الشرعية الداخلية. وفي خضم هذا المخاض المعقد، تشهد الساحة الإيرانية تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الأحكام الاستثنائية وتفعيل الأدوات الزجرية. ويعكس هذا التوجه ركون السلطة الأمنية إلى سياسة الردع الاستباقي عبر إحكام القبضة الحديدية على الشارع، متجاهلة النداءات الحقوقية الدولية الرامية إلى وقف دوامة العقوبات القاسية. ويمثل هذا النهج امتداداً لبنية سياسية تعتمد على الهندسة الأمنية لتأجيل الانفجار الاجتماعي المحتمل، غير أن تداعيات هذه الممارسات تنذر بتحول جوهري في معادلة الاستقرار السياسي والاقتصادي على المدى المنظور.
تفكيك المشهد القضائي.. آليات التصفية والسرعة الأمنية
تكشف التقارير الميدانية والمتابعات الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان المستقلة عن نمط مقلق في معالجة الملفات ذات الطابع السياسي. وتبرز حالة الشاب مهدي خانكي، الذي نُفذ فيه حكم الإعدام في أواخر يوليو 2026 على خلفية مشاركته في احتجاجات يناير من العام نفسه، نموذجاً صارخاً للآلية التي تدار بها المحاكمات خلف الأبواب المغلقة. فقد أشارت تقارير الرصد إلى أن الاعتقال الذي جرى في مدينة كرج في فبراير من العام نفسه، أعقبه غياب تام للشفافية، وحرمان من حق الدفاع القانوني المستقل، وصولاً إلى التنفيذ السريع الذي أتى بمعزل عن أي معايير للتقاضي العادل.
إن هذه السرعة في إنفاذ العقوبات القصوى لا تعكس مساراً قضائياً طبيعياً، بل تترجم قراراً أمنياً مسيساً يهدف إلى طي الملفات الثقيلة بسرعة قياسية. والجدير بالذكر أن هذه السياسات ترمي إلى إرهاب جيل الانتفاضة وكسر إرادة الحراك الشبابي المتصاعد في المدن الإيرانية كافة.
التوظيف السياسي للتوقيت.. استنساخ استراتيجيات الماضي
لا يمكن فصل التصعيد العقابي الراهن عن السياق التاريخي والسياسي الذي تحكمه العقلية الحاكمة عند مواجهة الأزمات الوجودية. فالاعتماد المفرط على الإعدامات يتزامن مع ذكريات مفصلية، أبرزها مجزرة السجناء السياسيين لعام 1988، والتي لجأت فيها القيادة التاريخية للنظام إلى التصفية الجماعية تحت وطأة التحديات الخارجية والداخلية الكبرى.
واليوم، تعيد الدوائر الحاكمة إنتاج القالب ذاته؛ فكلما ضاقت الخناق السياسية والدبلوماسية في الخارج، عطلت السلطة آليات الانفتاح في الداخل لتعويض خسائرها الاستراتيجية عبر تصدير الأزمات إلى الداخل. هذا التلازم بين الخطاب الخارجي المتراجع ووتيرة الإعدامات المكثفة يعكس حالة من الهشاشة الهيكلية التي تخشى تحول الغضب الاقتصادي والاجتماعي إلى طوفان شعبي يصعب احتواؤه.
التداعيات الجيو/ سياسية والاقتصادية: كلفة الرهان على القمع
تترتب على هذه السياسات الزجرية انعكاسات عميقة على المستويين الاقتصادي والجيوسياسي. فعلى الصعيد الاقتصادي، يؤدي مناخ عدم الاستقرار السياسي والأمني إلى هروب رؤوس الأموال وتعميق أزمة العملة المحلية، وسط غياب تام لثقة الأسواق الدولية في بيئة تشريعية تفتقر لأدنى مقومات سيادة القانون. وتتغذى هذه البيئة الطاردة من استمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تقف حائلاً دون أي تطبيع اقتصادي حقيقي مع المجتمع الدولي.
أما على الصعيد الجيوسياسي، فتساهم هذه الممارسات في تعميق العزلة الدبلوماسية لطهران، لا سيما مع تصاعد الدعوات الصادرة عن عواصم غربية وهيئات أممية تطالب بفرض عقوبات إضافية ومساءلة القيادات المتورطة في الانتهاكات. إن الرهان على الحلول الأمنية البحتة يفاقم الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويدفع القوى المعارضة نحو مزيد من التنظيم والتشبيك، مما يجعل الاستقرار المنشود مجرد سراب مؤقت.
الخلاصة
تؤكد المعطيات الراهنة أن توسيع دائرة الإعدامات وتغليب القبضة الأمنية لن ينجحا في إخماد جذوة الاحتجاجات الشعبية، بل يعجلان بتآكل ما تبقى من شرعية داخلية للنظام. وبين مطرقة الأزمات الاقتصادية الهيكلية وسندان الرفض الشعبي الواسع، تجد المنظومة الحاكمة نفسها حبيسة حلقة مفرغة من العنف المتبادل. وإن استمرار هذا النهج يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني حقيقي للتحول من مرحلة الإدانة اللفظية إلى بلورة استراتيجيات ضغط جادة تسهم في حماية حقوق الإنسان ودعم التطلعات المشروعة للشعب الإيراني نحو إرساء نظام ديمقراطي مستقر.



