رئيس لبنان وسلاح حزب الله.. أيهما أقرب.. شرم الشيخ اللبناني أم الشرط “الإسرائيلي”؟

“المدارنت”
بأسلوبه المتغطرس أصدر طوم براك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا ولبنان، عدة تصريحات أثارت موجة من التعليقات على نوايا إدارة ترامب، بشأن المضي لإنهاء الحملة في لبنان.
وقال براك في مؤتمر للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، الذي عقد نهاية الأسبوع الماضي في المنامة عاصمة البحرين: “الدولة الوحيدة التي لا تتكيف مع التغيرات في الشرق الأوسط هي لبنان. في الواقع، الدولة هي حزب الله، التنظيم الذي يوفر لمقاتليه وأنصاره ما لا تستطيع الدولة توفيره”.
براك، الذي سعى إلى التعبير عن إحباط الإدارة الأمريكية وإسرائيل من الوتيرة البطيئة لنزع سلاح حزب الله، كرر تهديداته: “ليس للبنان وقت ليضيعه. عليه أن يسارع إلى تفكيك سلاح حزب الله”.
وبعد ذلك، في مقابلة مع موقع “الشرق” على هامش اللقاء، فاجأ من يجري المقابلة معه عندما قال: “فكرة نزع سلاح حزب الله بالقوة غير واقعية. لا يمكنك الطلب من لبنان نزع سلاح أحد الأحزاب السياسية، ثم تتوقع سلاماً. ما علينا أن نسأله لأنفسنا هو: كيف نمنع هذا التنظيم من استخدام سلاحه”.
يبدو أن براك، يطرح بذلك موقفاً يناقض المطلب الذي يرتكز إليه اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، وقرار حكومة لبنان في آب، المطالبة بنزع سلاح حزب الله، وإعطاء أمر للجيش اللبناني باستكمال المهمة حتى نهاية السنة. ثمة ضبابية حول موعد انتهاء عملية نزع السلاح.
المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي عادت لمعالجة شؤون لبنان، قالت إن نهاية السنة هي الموعد المتفق عليه. في المقابل، قالت حكومة لبنان إنها فهمت أن واشنطن كانت مستعدة لتمديد الموعد حتى الانتخابات، التي يتوقع إجراؤها في أيار القادم.
إذا كانت أقوال براك تعبر حقاً عن سياسة جديدة، فكيف تتساوق مع الضغط المتزايد للولايات المتحدة لإنهاء عملية التفكيك بسرعة، ومع التهديد بالسماح لإسرائيل بتجريد حزب الله من سلاحه، وتوسيع نطاق هجماتها في لبنان، مع المخاطرة باستئناف الحرب؟ وماذا بخصوص التصريح السابق لبراك الذي يفيد بأن تجريد حزب الله من سلاحه هو “شأن لبناني داخلي”؟
إضافة إلى ذلك، أوضح براك: “الموضوع الآن في يد لبنان. من الآن فصاعداً، لن تتدخل الولايات المتحدة في وضع يسيطر فيه تنظيم إرهابي أجنبي (حزب الله) على دولة فاشلة (لبنان) التي تملي الوتيرة وتطالب بالمزيد من الموارد والأموال والمساعدات”. التهديد بـ“التخلي عن الساحة اللبنانية” غير جديد.
سبق لبراك أن أسمعه في تموز، عندما طلب من حكومة لبنان، قبول قرار بشأن تجريد حزب الله من سلاحه، ويبدو أنه لا ينوي الآن أيضاً السماح لهذه الساحة بالاشتعال.
تتطلع واشنطن إلى تحقيق إنجاز سياسي جديد، وتحاول منذ أسابيع إجبار لبنان على إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وبدأت في توسيع اللجنة التي تشرف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، لتشمل مدنيين أيضاً. لم يصل لبنان إلى هذه المرحلة حتى الآن: يمكن تفسير التغيير في تشكيل اللجنة على أنه استعداد للانتقال من المفاوضات العسكرية إلى السياسية، ومن هنا تصبح المسافة قصيرة للاعتراف بإسرائيل.
ولكن هناك مؤشرات أخرى: الثلاثاء، التقى رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد، مع الرئيس اللبناني جوزف عون. وجاء في بيان صادر عن الرئاسة بأن الاجتماع: “ناقش قضايا عسكرية وأمنية، بما في ذلك التنسيق بين الدولتين والاستفادة من أجواء اتفاق غزة وقمة شرم الشيخ، بهدف توسيعها لتشمل لبنان”.
في هذا الأسبوع، أعرب عون عن استعداده للتفاوض مع إسرائيل، لكنه خفف ذلك، وقال: “لا يمكن اقتصار المفاوضات على طرف واحد بعد أن رحب الطرف الآخر (إسرائيل) بنا بهجمات إضافية”.
امتنع الرئيس عن إعلان استعداده للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، لكنه لم يرفض ذلك كلياً. هذه التصريحات التي تعكس نوعاً من المفاوضات حول المفاوضات، حظيت برد من براك: “إذا أراد اللبنانيون إجراء مفاوضات (مباشرة) كهذه، فسنساعدهم، وسنضغط على إسرائيل لتكون نزيهة”.
هذه أقوال يجدر الانتباه إليها. حتى الآن، أوضح براك لحكومة لبنان، بأن الولايات المتحدة لن تستطيع كبح إسرائيل إزاء تهديد سلاح وصواريخ حزب الله. وأوضح في مناسبة أخرى، بأن الولايات المتحدة “لا تستطيع أن تقول لإسرائيل ما تفعله”.
الأهم، أن براك قدم اقتراحاً جديداً قبل أسبوعين: إسرائيل ستوقف هجماتها في لبنان لمدة شهرين، وستجرى خلال ذلك مفاوضات كثيفة بشأن انسحاب تدريجي من المواقع الخمسة التي تسيطر عليها إسرائيل، وستبدأ مفاوضات حول ترسيم الحدود البرية بين الدولتين، وستتم إعادة أسرى لبنانيين من المعتقلات في إسرائيل، وستحدد منطقة منزوعة السلاح في جنوب لبنان بعد استكمال نزع سلاح حزب الله. إسرائيل رفضت هذا الاقتراح بشكل تام، وهي لا تظهر حتى الآن أي جهود أمريكية لجعل إسرائيل أن تكون “نزيهة”.
موقف إسرائيل، هو أن على لبنان أولاً أن يثبت بأنه قادر على نزع سلاح حزب الله تماماً، وبعد ذلك يمكن مناقشة الانسحاب ووقف الهجمات. ولكن واشنطن غير واثقة تماماً من أن إسرائيل معنية بالدفع قدماً الآن بمفاوضات مع حكومة لبنان، لا لأن “الأجواء المفتوحة” التي تتمتع بها إسرائيل في لبنان تعتبر ذخراً استراتيجياً، بل لمواصلة حزب الله الاحتفاظ بآلاف الصواريخ ومحاولته ترميم مواقعه في جنوب لبنان.
المفاوضات حول ترسيم الحدود البرية، كما ينص عليه اتفاق وقف إطلاق النار وقرار مجلس الأمن رقم 1701 الذي يعتمد على هذا القرار، معناها أن على إسرائيل الانسحاب من المناطق على طول الحدود، بما في ذلك مزارع شبعا والقرى المحيطة بها. لذلك، التفسير الذي يقبله لبنان والذي يفيد بأن التصعيد الإسرائيلي استهدف فرض التقدم على لبنان نحو الاتفاق مع إسرائيل، لا يتساوق بالضرورة مع الرؤية الإسرائيلية. ولكن إسرائيل لا تملك كل الأوراق؛ لنفترض أن ترامب يسعى إلى تحقيق إنجاز سياسي آخر، وأنه غير معني بفتح جبهة قتال في لبنان مرة أخرى بنطاق كامل.
وإذا كان الأمر هكذا، فربما يعتبر التصعيد الإسرائيلي – الذي يمكن التقدير بأنه منسق معه – تهديداً لطموحاته، وتفعيل “أسلوب غزة” أيضاً في لبنان؛ أي أن يملي على إسرائيل، وليس على لبنان فقط، شروط المفاوضات، وأن يقيد مجال نشاطاتها العسكرية ويحدد مفهوم “نزع سلاح حزب الله”. سبق وألمح براك بذلك عندما شرح بأن الهدف هو منع حزب الله من استخدام سلاحه، وليس بالتحديد تجريده من سلاحه.

ولكن وحتى تتحول هذه العملية إلى سياسة، على لبنان أن يعلن استعداده لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل حول ترتيبات وقف إطلاق النار وحتى اتفاق سياسي، ثم عقب ذلك الاستعداد لمواجهة مفتوحة مع حزب الله. هل يبدو لبنان مستعداً لخطوة بعيدة المدى كهذه؟
في هذه الأثناء يعمل الرئيس اللبناني على حشد الدعم العربي لمؤتمر قمة عربية على غرار مؤتمر شرم الشيخ، يحدد بنود الاتفاق المستقبلي مع إسرائيل، ويقدم له حزمة ضمانات سياسية وعسكرية واقتصادية، التي تمكن قيادة البلاد من مواجهة المقاومة المتوقعة من حزب الله وأنصاره.
مع ذلك، ما دام الأمر يتعلق بلبنان فالأمر يتطلب قدراً معقولاً من الشك. لقد أظهر لبنان بالفعل تصميماً سياسياً على التعامل مع حزب الله، باتخاذ القرارات “الصحيحة” وفقاً لإملاءات أمريكا، لكن تطبيقها على أرض الواقع ما زال محدوداً. قد يكون الانتقال من الترتيبات الأمنية إلى اتفاق سياسي شامل مهمة أصعب بكثير، إذا لم تكن مستحيلة.



