ربـيـــعٌ عــربـــيّ قـــاتــــــم..!

خاص “المدارنت”..
تشهد الرزنامة العربية في شهر نيسان/ أبريل من كل عام، ازدحاماً لذكريات مجازر متلاحقة، ازدحاماً توزع على امتداد هذا الشهر، خانقٌ تارةً، كيماوي الملامح، قاتم من غير دماء، وتارةً أخرى صارخٌ في وجدان كل من وعى ويعي أن الربيع العربي “النيساني”، لم يختر لنفسهِ لوناً أحمراً، بل فرضه الغزاة والطغاة قهراً وظلماً.
ربيعُ دمٍ، امتد من ظلال القدس حتى أرواحٍ فاضت في بغداد، مروراً بعذابات فصلٍ جديد قديم لسوريا، الواقع الدموي الخانق حتى الموت.
ففي فجر التاسع من نيسان 1948، لم يدرِ أهل قرية “دير ياسين” غربي القدس، أن ما يزيد على مئتيّ شهيد من أبناء قريتهم وأطفالها ونسائها، سيكونون على موعدٍ مع أعتى فئات العنف الصهيوني، عبر مجموعتيّ (الإرغون/شتيرن) ذبحاً وتقتيلاً، بقيادة “مناحيم بيغن” رئيس الوزراء الصهيوني – لاحقاً -؛ ليبصم أبناء دير ياسين في ذلك اليوم، عميقاً في غياهب الضمير العربي.
الضمير، الذي لم يوقظه من رقادهِ صوت قصف طائرات الفانتوم، في الثامن من نيسان 1970، حينما قضى ثلاثون طفلاً مصرياً، في مدرستهم في قرية “بحر البقر” في محافظة الشرقية، من رقادٍ امتد لعقود، رقادٍ أتاح للأنظمة الصهيو-عربية أن تستكين، إلا في مواجهة شعوبها المحكومة بأنظمة، فاقت في إجرامها العديد من الاستعمارات الغربية، التي استباحت بلادها نهباً وإلغاءً للحرية والأحرار.
ليأخذ بعدها نيسان، شكلاً مفصلياً آخر، وبُعداً من الهزيمة أشد وطأةً، محدداً ملامح نكبة جديدة في عام 2003، مع سقوط بغداد، سقوطاً معلناً سقوط العراق “جمجمة الأمة”، وحصنها الشرقي المنيع إلى ما قبل الغزو الدولي للعراق، حينما تحالفت دولٌ أوروبية وعربية تحت راية الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة المتحدة. هذا السقوط الذي أعاد لمن كان من أطفال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، شكل النكبة، ولكن بالألوان، وعبر أقمار اصطناعية تنقل هزيمة العرب، الأكثر فداحة في التاريخ المعاصر؛ لتفتح العراق على مصراعيه، العربي والإسلامي، أمام الاحتلال الفارسي، الذي انتشر كغدة سرطانية طائفية من بغداد، بعد إطلاق أميركا يد إيران و أعوانها في العراق، ملتهماً دمشق فبيروت ثم صنعاء.
وكأن تاريخ العرب لا يكتب إلا بالدماء، فأتى ربيعهم كذلك أحمراً قانٍ، ففي سوريا تخضبت مدينة “اللطامنة” في ريف حماة الشمالي، في السابع من نيسان 2012، بدماء أبنائها الأطهار، بعد تطويق جيش الأسد وعناصره الأمنية المدينة الثائرة، فعوقبت بقصفٍ عنيف قبل اجتياحها، وبالقتل العشوائي، برشاشات المدرعات الحربية الثقيلة، وما رافق تلك الجرائم من تصفية عائلاتٍ بأكملها، حيث عُثر على عشرين جثة مشوهة ومحترقة لم يُعرف أصحابها.
وفي التاسع من الشهر ذاتهِ، طالب إعلام النظام الأهالي، بالتصريح أن ما حدث قبل يومين في مدينتهم، هو بفعل عصابات مسلحة؛ فما كان من أحرار اللطامنة، إلا أن رفضوا، فكان العقاب الجماعي والفوري؛ فأحرقت قوات الأسد دور العزاء، وقصفت دباباته المدينة مخلفةً أكثر من ثمانين شهيداً، بينهم نساء وأطفال، لتكون ما أطلق عليها مجزرة اللطامنة الثانية، المدينة التي تعرضت لهجوم كيماوي في مارس 2017.
تفنّن جيش الأسد، والمليشيات التابعة له، بالتنكيل بكل ما شكل لوناً من ألوان التمرد، وهذا لا يخفى – إلا على جمهور الممانعة والمقاومة، عمياناً ومتعامين – ولم يعد هناك تأثير حقيقي للدم المسفوك في الرأي العام العالمي المتآمر، ولا في قمع ثورة الشعب، الذي استمر مدافعاً عن وجودهِ عبر كل الوسائل الممكنة، فرفع النظام الأسدي سقف الإجرام، فكان لـ”نيساناتنا”، فصلاً آخر أقل صخباً، فصلاً لا لون له، لكنه واخز الرائحة مميت، فالسارين سريع الانتشار سريع الفتك؛ حصد قرابة المئة شهيد، بينهم أكثر من ثلاثين طفلاً، وأكثر من خمسمائة مصاب – حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان – فالصور التي التقطها نشطاء للجثث في مدينة خان شيخون، في 4 نيسان 2017، لم نرَ فيها قطرة دم واحدة، وكان لعيون الضحايا جحوظاً شديداً، تحدق بكل من شارك وخطط ونفذ وصمت وأدار ظهره لعذاباتهم، فيما أطلق عليه “الثلاثاء الأسود”.
وفي السابع من نيسان – ذكرى ميلاد حزب البعث – من عام 2018، ألقت مروحيتان تابعتان لنظام الأسد، براميل محملة بغازات سامة على مدينة دوما، ذات الكثافة السكانية الكبيرة، مخلفةً ما يتراوح بين الـ80 و150 شهيدا، كما أصيب في هذا الهجوم الكيماوي أكثر من 550 آخرين، بعد قصف عنيف متواصل دام لأيام.
هذه السردية، ليست محاولة بكائية على الدم المسكوب في نيسان، ولا في غيره من الشهور الدامية، فلا ينبغي لجراحاتنا أن تأخذ ملامح الانهزام الذاتي، بقدر ما هي محاولة لاستنهاض الربيع المزهر حتماً بدماء الشهداء، وتضحيات الملايين على امتداد معاركنا ضد الطغيان وأدواته؛ والتي بتمسكها بربيعها تكتب ملاحماً عظيمةً في سبيل التحرر من الاستبداد، وانتزاع حريتها، وهذا كان له أثمانٌ باهظة بقتل الملايين وتشريدهم، وتشويه الخارطة العربية، في الدول التي حاول شعبها كسر قيد الظلم فيها، فحاولت الأنظمة أن تحيّد الشعوب عن معركتها، بزجهِ في لوثات طائفية، مناطقية، شعوبية، وأبعدته عن هدفه الأساسي، الساعي الى إقامة الدولة الوطنية العادلة، الهدف الذي من أجله ثار الربيع، ولن ينتصر إلا بتمسكهِ بهذا الهدف النبيل والحتمي لتحقيق غدٍ أفضل.
=======================



