مقالات
رجـــــال الـــــديـــــن وأزمـــــة الــثــقــــــة..

خاص “المدارنت”..
اكتسب رجال الدين، في كل الاديان، عبر التاريخ، صفة تمثيل السلطة “الروحيّة”، فيما أحكمَ السياسيّون قبضتَهُم على مفاصل السلطة الزمنيّة، بما تحتوي من سياسة وأمن واقتصاد، وغير ذلك من شؤون الشأن العامّ، الذي يفتَرض توفير الخدمات العامّة للناس، والتخطيط لتحسين حياتهم المعيشيّة، وضمان مستقبلهم ومستقبل أبنائهم.
شهدت العلاقة بين السلطات “الروحيّة” والسلطات الزمنيّة، عبر العصور، تقلُّبات، غالبًا ما دفع ثمنها عامّة الناس من كلّ الفئات؛ فهي تذبذبت بين الانسجام والاختلاف والخلاف والتصادم – حسب طبيعة القضايا ومقاربتها من كلّ من الجهتين.
لكن، في كلّ الحالات، كانت هذه العلاقات تلقي بثقلها على واقع الحياة بكلّ اوجُهها وتفاصيلها. فقد كان الناس، دائمًا، يدفعون ثمن انسجام السلطتين، حيث تُغطّي السلطة “الروحيّة”، تجاوُزات وفساد السلطة الزمنيّة، والتصرُّف بمُقدِّرات وموارد الدولة على هواها وحسب مصالحها ومصالح أتباعها. ثمّ، عندما يكون اختلاف وخلاف يؤدِّيان الى تصادم واقتتال كان الناس وممتلكاتهم، من كلّ الأطراف، هم وقود المعارك التي، في معظم الأحيان، لا تُبقي ولا تَذَر..
أمّا في لبنان، فكان المشهد، وما يزال، أكثر تنوُّعًا وتشعُّبًا وتداخُلًا، وبالتالي أشدّ خطرًا وأكثر تدميرًا وتخريبًا – نظرًا لوجود أكبر عدد، نسبيًّا، من “القيادات الروحيّة” و”الزعامات الزمنيّة”.
إذن، نحن أمام مشهدِيّةٍ، أبطالُها كُثُر ومتنوِّعون ولهم مرجعيّاتهم، الدينيّة والسياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة وغيرها، الاقليميّة والدوليّة وارتباطاتهم العضويّة الأخطبوطيّة التي لا يمكن التكهُّن بمدى ووعورة دروبها ودهاليزها.
كلُّهُم له علاقات مع الكلّ، وكلّهم مُختَرَق من الكلّ، وكلُّهم يعرف تفاصيل فساد الكلّ! لذلك، فكلُّهم يخافون من بعضهم البعض، ويخشون بعضهم البعض، فيحافظون على بعضهم البعض، ولا يسمحون بإيذاء بعضهم البعض!
كلّ زعيم زمنيّ، يسند ظهره الى مرجعيّته “الروحيّة”، فيعيث فسادًا وافسادًا من دون حسيب او رقيب. هذا لا يعني انّ المؤسسات “الروحيّة”، لا يعشعش فيها الفساد من رأسها حتّى أخمص قدَمَيها. كلّهُم “في الهوَى سَوا”، وكلُّهُم يتحكّمون بمصائر الناس – كلٌّ على طريقته وحسب قدراته واستطاعته.
لا يمكن فصل ما جرى في لبنان، من نهب لثروات الدولة والمواطنين، ومن تخريب في مؤسّسات الشأن العامّ والخدمات، عن تلازم الفساد المُتأصِّل في تزاوج المصالح بين السلطات “الروحيّة” والزمنيّة، وتكاتفها وتضامنها وتلاحُمِها – في هذه الفترة بالذات – والاستماتة في شدّ العصب الطائفيّ والمذهبيّ، الهادف الى تحصين مواقعها وتمكينها من تجاوز هذه الظروف الصعبة!
لبنان، بالفعل، والحقّ يُقال، هو ضحيّة فساد وجشع ولصوصيّة مُعظم مسؤوليه وقواهُ الفاعلة، من رجال سياسة ورجال دين ومجتمع، ووَصمةُ عارٍ أبديّة على جبين كلّ مَن تبوّأ مناصب مواقع القرار في هذه المرحلة – من كبيرهم الى صغيرهم.
لبنان، الذي كان دُرّةَ الشرق، ومركز الإشعاع الثفافيّ والفكريّ، وإحدى جنان الله في الأرض، حوّلَهُ معظم مسؤوليه، ومعظم مواطنيه الى أرضٍ خرابٍ لا تصلح لبقاء الانسان!
=====================



