مقالات

رسالة إلى المقاومة الفلسطينية..

د. علي ابراهيم/ السودان

خاص “المدارنت”..

كانت فترة خمسينات وستينات القرن الماضي، ثرية، وحافلة بالكثير من الأحداث التي أفضت إلى تغييرات مهمة فى مسار العالم، وإلى بروز واقع جديد مغاير لما سبقه قبل الحرب العالمية الثانية.

وكان إشتراك عدد من الدول إلى جانب الحلفاء فى تلك الحرب، قد ألهب الشعور الوطني وأعاد الثقة بالذات لدى الشعوب المضطهدة، وأعطاها دافعا قويا للنضال والمطالبة بنيل الإستقلال وبالعمل الثوري والسياسي بغرض التحرر والإنعتاق من الإستعمار، وترجم إلى تأسيس وبناء حركات منظمة ذات أبعاد وأهداف سياسية واضحة، بعضها أتخذ الكفاح السلمي طريقا كما فى الهند و السودان والبعض الآخر لجأ إلى النهج العسكري الثوري كما فى كينيا والكنغو ودول أمريكا اللاتينية.
فى خضم هذا الجو تفجرت ثورات فى بقاع مختلفة من العالم وكان من أهمها ثورة يوليو 1952 فى مصر والتى أيقظت الشعور القومي من موته السريري وأعطته بعدا نضاليا تحرريا وبعثت القوة الكامنة لدى الأمة وبشرت برسالتها فى الوحدة والتضامن والعمل المشترك وجعلت من قضية فلسطين قضية العرب المركزية .
وكان لها القدر الأكبر فى التنوير والتعريف بالصهيونية وبخطرها وبمراميها على حاضر ومستقبل الوطن العربي وبذلك تشكل وعي عربي جامع وموحد يعى قدره ومسؤوليته.
   والتشابك النضالي والمعرفي مع حركات التحرر فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، أوصلنا إلى قناعة بأن تحقيق النصر النهائي له مقومات أهمها وحدة القوى الوطنية حتى الوصول إلى الهدف ومن ثم تحديد ذاك الهدف بوضوح، ورسم خارطة الطريق الموصلة إليه برؤية يتفق عليها يصحبها خطاب ثم  فعل سياسي ملتزم بها  لا يقبل التنازل أو القسمة.
فى عام 1964 تأسست منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة السيد أحمد الشقيري، بغرض تنظيم و قيادة الحراك السياسي والعسكري من أجل تحرير فلسطين.
فى عام 1965 ظهرت حركة فتح بأهداف محددة  متبنية الكفاح المسلح، كوسيلة لتحرير كامل للتراب الفلسطيني.
فى عام  1972 طرحت منظمة التحرير الفلسطينية البرنامج المرحلي، الذى قدم تنازلا مبدئيا مهما بقيام دولة ديمقراطية مؤقتة فى جزء من فلسطين! الأمر الذي قاد إلى خلاف بين مكونات المنظمة وخرجت بعضها وكونت بما عرف بجبهة الرفض.
هذا التنازل المفصلي وما تبعته من تنازلات وصولا إلى إتفاقية أوسلو عام 1993 بنتائجها الوخيمة على القضية وعلى المنطقة أثبت بما لا يدع مجالا للشك بأن  القيادات الفلسطينية لم تقرأ وتستوعب تجارب الشعوب المناضلة، ولم يكن لها إلتزاما مبدئيا وأخلاقيا بالمبادئ، وسارت على الطريق الخطأ الذى أوصل إلى هذه المآلات الكارثية.
فى أغسطس 1981 قدم الأمير فهد بن عبدالعزيز مبادرته لحل الصراع العربي الإسرائيلي وفيها إعتراف صريح بحق الكيان الصهيوني –  لأول مرة –  أن يعيش في سلام على أرض فلسطين. و كان الرئيس ياسر عرفات، أول من أعلن قبوله بالمبادرة!
فى عام 1988 وافقت المنظمة على خيار الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية، على الأراضى المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وفى عام 1993 إعترف ياسر عرفات، رسميا بدولة  (إسرائيل) وفقا لأحكام إتفاقية أوسلو مقابل حكم ذاتي فى الضفة الغربية وقطاع غزة.
ولم تلتزم إسرائيل بتلك الإتفاقية وظلت تخرقها المرة تلو الأخرى وأطلقت يدها فى القتل والسجن والإرهاب والبطش والتنكيل بالمواطنين وفتحت شهيتها في إلتهام أجزاء كبيرة من الأراضي وتجريف الحقول وتدمير المنازل وبناء المستوطنات وإشعال الحروب متى وأنى شاءت، بينما جردت السلطة الفلسطينية طوعا وكرها من النضال المسلح وألقت كتائب الأقصى السلاح أرضا.
 وهكذا أضحت كل فلسطين فى رحمة الكيان الصهيوني وتحت مظلته وتحول قطاع غزة لأكبر سجن عالمي بعد أطباق الحصار  الجائر عليه جوا و برا و بحرا.
ومن رحم المعاناة والواقع الظالم والمظلم للشعب الفلسطيني ولدت حركة حماس فى عام 1987 لتلبى حاجة ملحة وضرورية ولتملأ الفراغ ولتوقف التدهور في حركة النضال الوطني بعدما  إنزلق إلى مهاوي بعيدة عن المبادئ الأساسية وعن الهدف فخطت نهجا بينآ وتبنت العمل المسلح كوسيلة لتحرير كامل التراب الفلسطيني من البحر إلى النهر وأضحت تقوم بعمليات نوعية وتتصدى للهمجية الإسرائيلية بجسارة وصمود وتحدى وندية، رغم الفارق الكبير وغير المتكافئ بين القوتين.
 وجدت حركة حماس تأييدا ودعما كبيرين من قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني وتعاطفا من الشعوب العربية والإسلامية ليس من منطق فكري أو أيديلوجي بقدر ما هو قناعة فى صدق وإيمان الحركة بعد أن أثبتته قولا وفعلا.
فى عام 2006 أجريت إنتخابات برلمانية فازت بها حركة حماس ومن وقتها دخلت حركتى فتح وحماس في مفاصلة و إنقسام و لم تفلح كل المحاولات فى رأب الصدع والوصول إلى حل يرضى الطرفين لعمق الخلافات الأيديولوجية والمنهجية بينهما.
وأعطى هذا الخلاف المسوغ والمبرر للعديد من الدول أن تعيد علاقاتها مع العدو الصهيوني، وحفز بعض الدول العربية، أن تسعى إلى التطبيع معه ويغذيها الفجور في الخصومة والتعاون المتبادل بين سلطة رام الله وبين الكيان.
جاءت الحرب الأخيرة لتخلق واقعا جديدا. وبثت الخوف والرعب لدى الصهاينة وأكدت لهم بأن الأمن و الأمان بعيدا المنال.
وأعادت القضية إلى مركز الصدارة والإهتمام وأكسبتها زخما وتأييدا غبر مسبوقين وكشفت مرة أخرى عن عدوانية وإرهاب الدولة الصهيونية ولم يفلح كيدها الإعلامي في تزوير الحقائق وقلب المعلومات أن يغير من وجهها الحقيقي.
وخرجت جموع المتظاهرين في العالمين العربي و الإسلامي فضلا عن الدول الأوروبية وأمريكا وغيرها، مؤيدة لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته ذات السيادة الكاملة على أرضه و منددة بالسلوك البربري،  الهمجي للآلة الصهيونية، وبدأت مواقف بعض الدول الداعمة تقليديا للكيان تحيد عن خطها النمطي وتطالب بوضع حد للصراع العربي الإسرائيلي وبقيام دولة فلسطينية مستقلة.
وتخلت أمريكا عن مشروع صفقة القرن، وعن إتفاقية أبراهام، والتى أرادت إدارة ترامب عبرها  أن تشكل العقل العربي بمفاهيم صهيونية تجعل صيرورة المنطقة لإسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل.
ووضعت الدول العربية التى هرولت وطبعت علاقتها مع الكيان فى مأزق وفى حرج و ما أنفكت بقية الدول في أن تعيد حسابتها وتقييم علاقتها معه.
فى الوقت الذى كنا نتوقع ان تلتقط الفصائل الفلسطينية الرسالة، وتقرأها القراءة الصحيحة وتستوعب معناها وتفهم مغزاها، وأن ترتفع إلى قامة النصر وإلى قدر المسؤولية وضخامة التكليف وأن تترجمها إلى وحدة فى التنظيم وإلى توافق على المباديء وعلى خارطة طريق توصل  إلى الهدف.
إنفضت إجتماعات القاهرة بلا إتفاق، تأكيدا بأن الشعب فى وادي، وقيادته فى وادي آخر وبأن الهوة بين فتح وحماس يصعب ردمها بعد إنقسام أصبح مزمنا بعد مرور أكثر من 15 عاما.
حالة تتطلب جراحة عميقة تؤدى إلى تغييرات جذرية في النهج وفى الشخوص، بعد أن وضح جليا في أن تشبث الحرس القديم بسلطة  – زائلة لا محالة –  أضحى عبئا ثقيلا على القضية وعقبة كؤود تقف أمام حركتي  النهضة والتطور اللازمتين. وما عاد فى جعبته شيئا يقدمه وليس فى مقدوره تسجيل هدف أو صد آخر.
 وعليه أن يدرك بأن التغيير هو سنة الحياة وأن يقيس ويقدر الأمور بمقياس الحكمة والتعقل وبتروى وأن يترجل بهدوء ويفسح المجال لجيل جديد، له من الحيوية والديناميكية والوعى  ما يؤهله لقيادة المرحلة المقبلة بتحدياتها الجسام.
وتبقى الوحدة الوطنية شرطا  أساسيا ينبغي إنجازها على وجه السرعة بإنهاء الإنقسام وترتيب البيت الفلسطيني بإعادة النظر في ميثاق المنظمة والتأكيد على المباديء الأساسية وعلى عدم المساس بها وتثبيت الحق فى النضال بكل الوسائل الممكنة والمتاحة من أجل التحرير بما في ذلك العمل المسلح.
 والتأكيد أيضا بأن الشعب هو مصدر السلطات و إعترافه و قبوله تشكلان البوصلة الهادية للحراك السياسي، للمحافظة على استقلالية القرار الفلسطيني، وتحصينه ضد التغول الإقليمي والدولي.
وعلى أن تضم المنظمة كل الفصائل الفلسطينية، بلا إقصاء وعلى رأسها فتح والجهاد الإسلامي و تشكيل حكومة وحدة وطنية يقبل بها الشعب الفلسطيني ومقاومة كل الضغوط الساعية لتزييف إرادته.
ومن ثم إجراء إنتخابات برلمانية على قائمة واحدة باسم المنظمة، فى هذه المرحلة الإنتقالية.
لا تزال الفرصة مواتية في إستثمار نتائج النصر وما صاحبه من تحولات فى المواقف العالميةو تحويله إلى نصر سياسي يحدث واقعآ جوهريأ على الأرض.
على قادة الفصائل الفلسطينية أن يفتحوا أعينهم على الواقع المأساوي و البائس فى الضفة وفى غزة و على حالة الأقصى و الحرم الإبراهيمي و كنيسة القيامة وغيرها وإن يدركوا أن الله لا يغير بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن يدرسوا بعمق تجارب الشعوب الأخرى فى المقاومة الشعبية و هضم الدروس المستفادة منها والتى أوصلتهم إلى النصر.
وعليهم إتخاذ القرارات الصعبة والجريئة حتى يلتقط الشعب زمام المبادرة ويختار قياداته الحقيقية ويرسم طريق النصر الأكيد بإذن الله.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

تعليق واحد

  1. فعلا كانت اختيارات منظمه التحرير الفلسطينيه خاطئه في درج الدبلوماسيه في برنامجها لتحرير فلسطين وبالذات عندما بداء يضيق عليها ميدان الكفاح المسلح وفقدانها للدعم العربي حيث تم طردها من الاردن الجبه الاولى ومن ثم تم اخراجها من لبنان وعدم دعمها من الدول المجاوره لفلسطين حتى الدول التي كانت تزعم بموقفها الوطني مثل سوريا حيث كان العالم باسره يضيق عليها اي فرصه بالاستمرار بحمل بندقيه الكفاح كل هذا الضغط اجبرها شيئا فشيئا الى اتباع الطريق السياسي من اجل المحافظه على كيان ممثل للشعب الفلسطيني والاحداث بينت من كل الحلول والاتفاقات المطروحه مع العدو انها كانت مؤامره على انهاء مفعوليه المنظمه مؤامره ليس من الدول الكبرى بل من الدول العربيه التي تشعر القضيه الفلسطينيه هي عبئا عليها و سبب في تاخرها . المشكله الاكبر من القضيه الفلسطينيه هو وضع الدول العربيه ونظام الحكم فيها انظمه مستورده وجدت لخدمه الكيان الصهيوني بشكل مباشر او غير وهذا نراه الان بسلسلة التطبيع التي شهدناها في الفتره الاخيره .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى