رســالـــة الـــى ولـــدي!

“المدارنت”..
كتب د. مخلص الصيادي: “أستأذن عبد الهادي راجي المجالي، في أن أستعير رسالته إلى ابنه، لتكون رسالة لأبنائنا… أحفادنا، الذين سيواجهون المستقبل بهذا الارث العظيم المبدع الذي سطّرته غزة. الأرض والشعب والمجاهدين، وقدمت لنا جميعا من خلاله ما يجعلنا نرفع رأسنا اعتزازا، بعد أن وضع الآخرون الذين مشوا في ركاب الصهاينة من النظام العربي، “والمثقفين العرب”، رأسنا في غير موضعه، وراحوا يسوقون لنا الهزيمة والذلّ. باعتباره نصرهم المؤزر، ومشروعهم للتقدم والحضارة والسلام، فجاءت غزة العزة، لتقلب كل الموازين، وتعيد الأمر إلى نصابه الصحيح.
أستأذن المجالي في هذه الاستعارة/ التبني، وأظنه سيرحب، إذ لم تكن رسالته لشخص “الابن”، وإنما لجيله. وللأجيال التالية”…
كتب عبد الهادي راجي المجالي في “رسالة الى ولده”..
ولدي العزيز:
“أعرف أني كل ليلة, أحضر لغرفتك كي تخبرني بما فاتني من أخبار غزة… وأعرف أني اتعبتك كثيرا, بالأحاديث عن تاريخ غزة وعن القضية وعن الحرب والبارود.. أعرف !
أتدري لماذا ؟ لأني أريد أن تكون مثلهم وليس مثلي …أنا مجرد نتاج للبيروقراط وللقلم التائه, والهوية الضائعة.. فلا تكن مثلي أبدا, وتعلم ياولدي أن الأمر لا يقاس باللحظة الحالية, ما يحدث في غزة سيكون له حسابات مستقبلية خطيرة, هي الأرض الوحيدة في هذه الدنيا التي لم تجثو على ركبتيها…. لقد ركعت ألمانيا في الحرب العالمية الثانية, ووقعت الإستسلام , واليابان بعظمتها الصناعية والعسكرية بعد القنبلة النووية الثانية ركعت ووقعت معاهدة الإستسلام …حتى إيطاليا الفاشية هي الأخرى ركعت.
هل شاهدت (غزاويا) يوقع على الإستسلام, هذا أول درس أريدك أن تعرفه وهو أن الشعب هناك حين ينهي بياناته بجملة: (وأنه جهاد نصر أو استشهاد), فهو يطبق ما يقوله على أرض الواقع, غزة هي الإمبراطورية الوحيدة في هذا العالم التي دمرت مساكنها وهجر شعبها ولم توقع ..تعلم يا ولدي منهم أن لاتوقع مستقبلا, والتوقيع على الإستسلام لايعني ورقة أو قلم أو القبول بشروط العدو , التوقيع يعني انهيار القيم وضياع العقيدة وتذويب الهوية.
أما الأمر الاخر الذي عليك أن تتعلمه من هذا الدرس هو: أن الحروب تندلع بين دول وأحيانا بين دول تنتج محورا واحدا ودولا أخرى تتكدس في تحالفات، هذه الحرب هي الأولى في تاريخ البشرية, والتي تنخرط فيها القوى العظمى ضد مدينة.. أتدري أن مساحة غزة أصغر من مساحة باريس.. أتدري يا ولدي أن مساحتها أصغر أيضا من مساحة طوكيو ..أصغر بكثير من مساحة القاهرة, تخيل أن العالم كله يقاتل مدينة والغريب أن هذه المدينة.. التي يسمونها مجازا (قطاع)..
قدمت لاغية الآن ما يقارب الـ(30) ألف شهيدًا, وما تزال تقاوم… حتما بعد خمسين عاما، ستكون يا ولدي كهلا.. وأكون أنا تحت تراب الكرك, لكنك ستقرأ في التاريخ درسا مفاده، أن المدن تهزم الدول, وأن العرب في فلسطين هم من غيروا مسار المعارك في التاريخ، ستقرأ أيضا أن مدينة على الخارطة تبدو بحجم رمش العين أو أصغر, استطاعت أن تنتج دروسا في علم الإجتماع، ونسفًا لكل نظريات فرويد في علم النفس, وأنتجت “النظرية الغزاوية” في الحرب التي تفوقت على النظرية النسبية لإينشتاين، والأهم من كل ذلك، أنها نقلت الحرب من أعلى الأرض لأسفلها، وستتعلم يا ولدي أن تعود لطارق بن زياد، حين قال” البحر من ورائكم والعدو من أمامكم، وستكتشف أن كانت غزة محاطة بالعدو من كل الجهات, حتى البحر يا ولدي حارب أهلها وحارب الشواطىء فيها، وكان بخيلا في السمك والملح, جندوا البحر ضد مدينة، أيّ عالم هذا؟!
تعلم أيضا يا ولدي أمرا غاية في الخطورة، وهو: حين يقولون لك “حماس” تقاتل لا تصدقهم.. حين يقولون لك الفصائل تقاتل لا تصدقهم أيضا, وحين يختصرون المعركة بفصيل مسلح لهذا التنظيم أو ذاك لا تصدقهم، لأن من يقاتل هو الفلسطيني، والطلقة لا تفرق بين تنظيم واخر أو بين عسكري ومدني.. “إسرائيل” (كيان الإرهاب الصهيوني في لسطين المحتلة) تحارب الف فلسطيني بغض النظر عن أيديولوجيته ومنبته, وهذه الحرب هي من أهم حروب الهوية في التاريخ، حين تقرأ “امين معلوف” الهويات القاتلة ستعرف ما أعنيه.
الفلسطيني لديه جغرافيا وتراث وثقافة ودين وأرض، الفلسطيني هو الوحيد في هذا العالم المكتمل في هويته, في حين أن عدوه موزع في اللغة، مشتت في الأصول, العدو يا ولدي لو كان يؤمن بـ”إسرائيل”ن كهوية متجذرة أو راسخة أو ثابتة، لما حمل كل واحد منهم جواز سفر بجنسية أخرى، لو كانوا يؤمنون بدولتهم وبأن الأرض لهم, لما مارسوا الجريمة, على الأقل الهوية لدى الشعوب أساسها الأخلاق, فالعرب حين تتحدث عن هويتهم أول ما يرد في وصفها مصطلح التسامح ومصطلح الكرم, “إسرائيل” مجرمة، لأنها بلا هوية, لا يوجد في سلوكهم أي أخلاق، يوجد في أذهانهم “خزعبلات” توارتية فقط، أقنعتهم بأنهم الشعب الأفضل والاخر هو عبء على البشرية، تلك هي صفات العصابات ولم تكن صفات للدول الراسخة.
بعد “خمسين” عاما ستكتشف يا ولدي, أن مجرى التاريخ قد تغيّر، وأن مدينة هزمت دولا كبيرة, ستكتشف أن العلوم الإنسانية كلها ستغيّر مساراتها, وستقرأ من جديد سيرة وسلوك شعب غزة، ستكتشف يا ولدي أيضا أن اخطر ما حمله التاريخ لنا، هو جملة واحدة اختصرت كل الحكاية من أولها إلى آخرها، هي: “وإنه جهاد نصر أو استشهاد”.



