مقالات
رمـضـــان ومــواســـــم الاســتـــغــــــلال..!

تقتضي المسؤوليّة الدينيّة والانساتيّة والأخلاقيّة، أن يقوم كلّ واحد منّا بمقاربة واقعيّة لسلوك المسلمين، عامّة، وسلوك أولياء أمورهم والتجّار، في شهر الخير واليمن والبركة؛ شَهر رمضان، الذي أُنزِلَ فيه القرآنُ هُدًى لِلناسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرقان.
هذا الشهر الفضيل، الذي أراده الله منصّة انطلاق سنويّة للتوبة والعطاء والايثاريّة، وعمليّة مراجعة شاملة لتقويم المسارات، والعمل على تحرّي خطوات السير الثابت على صراط مستقيم، حوّلَه المسلمون – للأسف الشديد – الى موسمٍ للاستغلال والمتاجرة، وعقد الصفقات على أنواعها، واذلال المحتاجين.. والاستخفاف بالعقول.
كلّما اقترب رمضان، شهر الرحمة والخير والغفران، رأينا الكثيرين يشهرون سيوف الاستغلال في التجارة والسياسة والتبرُّع الغائيّ، وكلّ صنوف التباهي وإظهار الشعور الفوقيّ والتمايز عن الآخرين.
ثقافة رمضان، ذات الإيمان الحقيقيّ، بقِيَمِها الاسلاميّة الانسانيّة، غابت منذ زمن طويل، وحلّ محلّها جملة من السلوكيّات الملتبسة، والبعيدة عملِيًّا عن الاسلام، وقِيَمِه – ان لم نقل مخالفة له ولخطابه ولرسالته، بمضمونها الانسانيّ والعملانيّ الحضاريّ.
لنبدأ بقطاع التجارة؛ الذي هو على تماسٍ مباشر بحركة الناس وحياتهم في الأكل والمشرب والملبس، وفي شتّى المجالات المعيشيّة. فقبل بدء شهر الفضيلة والتُقى بايّام قليلة، نجد أنّ اسعار السلع – الغذائيّة تحديدًا – المتّصلة بالسحور والافطارات قد انتفضت صعودًا، من دون ايّ مبرِّر او سبب، بما يجعل كلفة الصيام المادِّيّة، باهضة وقاسية على الشرائح الاجتماعيّة غير الثرِيّة؛ وهذا يجعل الغالبيّة الساحقة والعظمى من المجتمع، تعاني من ازدياد النفقات في شهر وُجِدَ، اصلًا، لتيسير أمور الناس وتخفيف معاناتهم. نرى التاجر المسلم، عمومًا، يُخرِج كل ما في جعبته من جشع وطمع، وعشق للمال والربح واصطيادٍ للفُرَص، واستغلالٍ لحاجة الناس للسلع الغذائيّة الاساسيّة التي يتضاعف استهلاكها في هذا الشهر.
أمّا طبقة الأثرياء من السياسيّين، والذين كانت السياسة والمناصب أحد أبواب ثرائهم الواسعة، فيقيمون الاسوار الشاهقة بين أموالهم الطائلة وبين الناس، ولا يُفرِجون عن بعضها الّا في مواسم الانتخابات، حيث يشترون ضمائرهم واصواتهم وولاءاتهم وأنفاسَهم، لابقائهم في أتون التبعيّة والعبوديّة والذلّ والهوان.. وأوضح دليل على ذلك طبقة “ديناصورات السُنّة”، في لبنان، من رؤساء وزراء ووزراء ونوّاب وموظفين كبار ،وركائز سياسيّة واقتصاديّة وماليّة واجتماعيّة على اختلاف الأنواع والمستويات.
هاتان الطبقتان اللتان لا تختلفان في طبيعة عملهما؛ احداهما في تجارة السلع والموادّ الاستهلاكيّة، والأخرى في التجارة بالبشر والوطن وكلّ ما وقع بين يديها.
أما باقي الشرائح الاجتماعيّة، فمنها من دخل في تيار الفساد والافساد، الذي تزداد وتيرةُ حركتِه وشراستهِ في رمضان، ومنهم من لا حول ولا قوّة له على ممارسة الفساد والافساد؛ فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر – وما بدّلوا تبديلا!
رمضان، شهر التقوى والمراجعة السنويّة، واعادة ترميم الانسان، نفسًا وجسدًا، وضبط العلاقة مع الله، والانطلاق الآمِن الى رحابِ حياةٍ ترفل بما أمر الله، رمضان هذا، لم يعُد بيننا ولم نعُد نستحقّ عظمتَهُ وعطاءاتِه وأبواب رحمتهِ الواسعة، لانّنا – باختصار شديد – نخون أمانته التي استودعها الله ورسوله في هذه الامّة الصابرة.
رمضان، شهر القرآن، افرغناه من كلّ ما جاء به القرآن! وما نزال نكابر ونتباهى ونردِّد الآيات، ليل نهار ، وهي – منّا ومن نفاقنا – براءٌ براءٌ براء..!
=====================



