مقالات

“سفر برلك” جديد.. صناعة لبنانيّة..!

أحمد ذبيان/ لبنان

خاص “المدارنت”.

عُرِفَ اللبنانيّ، عبر التاريخ، بطُموحِه وحُبِّه للمهاجرة والمغامرة في سبيل حياة افضل أينما وجد ذلك متاحًا وقابلًا للتحقيق.

كان ذلك، مبدئيًّا، بسبب قلّة الموارد ولضيق البقعة الجغرافيّة ولازدياد عدد السكّان، وأحيانًا بسبب القلاقل والاضطرابات والاحتلالات والحروب الاهليّة التي غالبًا ما تشهد عمليّات نزوح ولجوء وتهجير. لكنّ لبنان لم يشهد مجاعة، الّا التي حدثت العام 1915 على أثر “سفر برلك”، أثناء الحكم التركيّ العثمانيّ لبلاد الشام، والتي قضى بسببها حوالي ثلث الشعب اللبنانيّ آنذاك.

لم يكن اللبنانيّون، على مرِّ تاريخهم، قليلي الحيلة في تحصيل رزقهم وفي تحسين أحوالهم المعيشيّة نظرًا لحيويّتهم البارزة وسعيهم الدائم وحبِّهم للمنافسة وتجميع الثروات. لذلك، انتشر الملايين منهم في كل اصقاع الأرض بحثًا عن الفُرَص التي تمكِّنُهم من تحقيق طموحاتهم حيث تشهد لهم كل المجتمعات التي يتواجدون فيها بالنجاح والنهضويّة.

إذن، باختصار شديد، نحن أمام شعب لا يشكو من قلّة الكفاءات او الكسل او العجز وإنما أمام شعب ذكيّ مليء بالحيويّة والنشاط وحبّ العلم والمعرفة وعشق المغامرة والحياة.

هذا الشعب ليس بحاجة الّا الى قيادة نزيهة حكيمة، تستثمر القوى الكامنة فيه، لكي تجعل منه مجتمعًا متقدِّمًا متطوِّرًا يضاهي في مستواه الشعوب التي اخذت بأسباب الحضارة والرقيّ.

لكن، وللأسف، ما حدث هو ان دأبَ اللبنانيّون، بكل فئاتهم، على انتخاب طبقة سياسيّة، تفتقد الى أدنى درجات النزاهة والحكمة، عاثت فسادًا في السياسة والإدارة ونهبت، هي وأزلامُها، المال العامّ، بطرق وأساليب خبيثة، وأتت على ودائع الناس الذين أفنوا حياتهم في جمعها وتوفيرها.

هذه الطبقة السياسيّة، وأزلامُها، وبغطاء كامل ومشاركة كاملة من قِبَلِ رجال الدين، من كل الطوائف والمذاهب، فعلت باللبنانيّين ولبنان ما لم تفعله ايّة قوّة اغتصاب او احتلال او اجتياح في تاريخه القديم والحديث! هذه الطبقة السياسيّة دمّرت، ليست فقط اقتصاد البلد وقدرة مؤسّساته على الحركة والخدمة والفعل ، وانّما قدرة اللبنانيّين على الأمل ببقاء الوطن وهم يرون كل شيء يتهاوى أمام أعينهم دون ارادة القدرة على إيقاف التدهور ومسارات الخراب! هذه الطبقة دفعت بالناس الى الازدحام القاتل أمام أبواب السفارات لاستجداء تأشيرة ايّ بلد من اجل الفرار من الجحيم المُنتظَر!

هذه الطبقة السياسيّة الظالمة جرّت البلاد الى مجاعة لم يشهد التاريخ مثيلًا لها من قبل؛ فالمجاعة الحقيقيّة هي في عدم الاستقرار وفي الخوف من الآتي وفقدان الأمل بالمستقبل. هي في زعزعة الكيان من أساسه وتدمير قدراته على تأمين أبسط الخدمات الضروريّة من ماء وكهرباء ووقود ودواء وسائر الموادّ الاساسيّة. هي في تدنّي مستوى التعليم والتربية وترهُّل فعاليّة المؤسّسات وانتشار الياس بين الناس. هي في قدرة الناس على الحلم بالتغيير!

ألمجاعة الحقيقية هي أن تكون لقمة العيش مغمّسة بالذُّل والمهانة والتسلُّط، وفقدان القدرة على رفع رأسك لتنظرَ الى ظالميك نظرَةَ عتابٍ واحدة!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى