سوريا بعد الأسد.. هل تتحول إلى المهدد الأكبر لـ”إسرائيل”؟
“المدارنت”
منذ 7 أكتوبر والجبهة السورية كانت الأقل تعقيداً لإسرائيل. بخلاف المعارك القاسية في غزة ولبنان وضد إيران والحوثيين، فإن الجهد في سوريا لم يجبِ أثماناً ذات مغزى. فسقوط نظام الأسد – العدو القديم والحليف المركزي لطهران – أتاح لإسرائيل قبل نحو سنة اتخاذ خطوات دراماتيكية دون أن تصطدم بتحديات ذات مغزى: فقد سيطرت على أرض بجوار الحدود وفيها سكان لغرض الدفاع ضد محافل معادية (درس من أحداث 7 أكتوبر)، دمرت البنى التحتية للجيش السوري خوفاً من وقوعها في أيدي منظمات إرهاب، ومنذئذ وهي تحافظ على حرية عمل شبه تامة في سوريا.
تخلق الأجواء المريحة مشاهد مشابهة لتلك التي بدت في المناطق التي احتلت في 1967: إسرائيليون يحاولون إجراء رحلات إلى المنطقة المحتلة، وآخرون يسعون لإقامة بلدات (“طلائع البشان”) فيها في ظل الإعلان عن أن الحديث يدور فقهياً عن منطقة هي جزء من بلاد إسرائيل، وصحافيون يحررون تقارير بطريقة شاعرية “عما يجري في سوريا”. وفي الخلفية، يحرص رئيس الوزراء مرة كل بضعة أشهر على إجراء زيارات مغطاة إعلامياً في الأراضي التي احتلت، ويشدد على حيويتها للدفاع عنها وعدم إخلائها.
الحادثة القاسية في بلدة بيت جن في نهاية الأسبوع تشكل رصاصة إيقاظ لإسرائيل. يدور الحديث عن محاولة لاعتقال نشطاء من منظمة “الجماعة الإسلامية” (فرع الإخوان المسلمين المحلي) خططوا لعمليات ضد إسرائيل، حادثة تطورت إلى اشتباك أصيب فيها ستة جنود من الجيش الإسرائيلي وقتل نحو 15 سورياً. قد يشكل الحدث نهاية الفترة التي كان يمكن فيها التحكم بالمنطقة وسكانها بلا مشكلات.
وقعت الحادثة في اليوم الذي يحيي فيها السوريون سقوط نظام الأسد، وهو ما حول مسيرات التضامن مع النظام إلى مظاهرات عاصفة ضد “الاحتلال الإسرائيلي”. إذا ما قرر الرئيس السوري أحمد الشرع البدء بتشجيع أو دعم الأعمال ضد الاحتلال الجديد، فستقف إسرائيل أمام تحد آخر إضافة إلى القضاء على الإرهاب في المنطقة المحتلة. في مثل هذا السيناريو، ربما ستكون أيدي إسرائيل مكبلة؛ كون الشرع يعد كالأمل لنظام جديد ومستقر في سوريا في نظر ترامب، الذي استقبله بشرف عظيم في البيت الأبيض، وكذا في العالم العربي والغربي – وهذه على ما يبدو لن تسمح لإسرائيل العمل ضد دمشق بحرية. مؤشر أول على ذلك جاء عندما هاجمت إسرائيل منشآت للنظام في دمشق في تموز الماضي، رداً على أعمال ضد الدروز في جنوب الدولة، ما أثار نقداً دولياً، بما في ذلك من جانب واشنطن وتسبب بوقف تلك الهجمات.
إلى جانب الاحتكاكات، تجرى في الأشهر الأخيرة – برعاية واشنطن – محادثات سياسية بين إسرائيل وسوريا في محاولة لبلورة تسوية أمنية تشكل نوعاً من التحديث أو رفع المستوى لاتفاق “القوات” بين الدولتين في العام 1974 (بعد حرب يوم الغفران). في الخلفية، يوضح الشرع بأن السلام والانضمام إلى اتفاقات إبراهيم لن تبحث ما دامت إسرائيل تسيطر على هضبة الجولان. وهكذا، بينما يُعرف وزراء في الحكومة الشرع “داعش في بدلة” بل ويطالبون بتصفيته، يبحث آخرون مع وزير الخارجية السوري اتفاقاً سياسياً.
بعد نحو سنة هادئة نسبياً، تقف إسرائيل أمام معضلة تستوجب الصياغة حول المصالح تجاه الساحة السورية، وفحص إمكانية فعل نشط قبل فرض خطوات خارجية مثلما كان في القطاع. من جهة أخرى، واضح أن سوريا بعد الأسد مليئة بالتهديدات: الحكم غير عاطف وغير مستقر وتعمل تحته جملة متنوعة من الجهات المحلية المعادية التي تخطط للعمليات المضادة، بما في ذلك في مجال الحدود؛ وكذلك تركيا التي تمنح الرعاية للشرع وتثبت أقدامها في سوريا؛ وها هي إيران تحاول ترميم قوتها في الدولة. كل هذه الأمور تبرر وجوداً في القاطع الأمني الجديد، فما بالك حرية العمل لقطع دابر كل تهديد ينشـأ في الساحة السورية.
من جهة أخرى، حادثة بيت جن ربما تبشر بتطور تحديات في الزمن القريب القادم يوجب الاعتراف بها والاستعداد لها: تهديدات حرب عصابات، بل واحتكاكات مع السكان المحليين في المنطقة المحتلة، وإمكانية تشجيع نظام الشرع على انتفاضة شعبية، بل ويحتمل ضغط دولي متزايد على إسرائيل للانسحاب منها والتقدم بسرعة نحو التسوية.

مثلما في ساحات وحالات أخرى منذ 7 أكتوبر، ستقف إسرائيل في سوريا أيضاً أمام بضعة بدائل سيئة، وسيتعين عليها أن تختار الأقل سوءاً. الاتفاق وإن ترافق مع انسحاب إسرائيلي من الأرض المحتلة، سيكون هو أهون الشرور. هذا شريطة أن يترافق وعدة شروط استراتيجية ضرورية: حفظ حرية عمل كاملة ضد تهديدات أمنية (إقامة بنى تحتية للإرهاب تهريبات وسائل قتالية – بما في ذلك من إيران وحزب الله – وبالطبع التخطيط لعمليات مضادة) مثلما يجري في لبنان؛ ووعد بألا تحوز سوريا قدرات عسكرية مهددة مع تجريد جنوب الدولة من السلاح؛ وتقييد الوجود الأمني التركي؛ وتعميق الحضور الأمريكي.
في ضوء الاحتمال العالي لتطور معركة واسعة قريباً ضد حزب الله والحاجة لجولة جديدة مع إيران بهدف ضمان الضربة العميقة لبرنامجها النووي، من الحيوي ألا تنجر إسرائيل إلى ساحة مواجهة جديدة تقتطع من قدرتها على التركيز على التحديات الاستراتيجية الأهم. بين هذا وذاك، من الحيوي أن ينفض الإسرائيليون عن أنفسهم المفهوم الذي تثبت بعد 7 أكتوبر، والقاضي بأن استخدام القوة والسيطرة على الأرض توفر أمناً، وكذا الخيالات حول اختفاء أعداء وتحقيق انتصارات مطلقة.



