مقالات

سوريا بين سندان الدولة الجديدة ومطرقة التوسّع “الإسرائيلي”!

فادي حسين محمود/ ألمانيا

خاص “المدارنت”..
لم تكن تُقلع طائرة بشار الأسد، فاراً إلى روسيا، حتى سارع سلاح طيران الجيش “الاسرائيلي”، الى قصف مواقع  عسكرية محددة على بنك أهدافها في سوريا الذي استمر لأيام، عبر ما وصفته “إسرائيل” نفسها، بالعملية الجوية الأضخم في تاريخ عملياتها العسكرية منذ نشأتها – بالتزامن مع خروج الملايين المتبقية في سوريا للاحتفال بالنصر و التحرير- فقصفت مواقع عسكرية كبيرة ومنصات دفاع جوي ومخازن ذخيرة وأسلحة أذكى من أن يستخدمها النظام المخلوع في قصف أبناء سوريا العُزّل، وأحيائها الذين جرب فيهم كل أنواع القتل، وهو الذي ابتكر طرقاً  -هو وحلفائه الروس والإيرانيين وميليشياتهم الطائفية- إنطلقت من الذبح بالسكاكين، مروراً بالأسلحة الكيميائية، ولم تنتهِ طرقه عند البراميل الغبية التي حملت حمماً جعلت من بعض المدن والقرى السورية أثراً بعد عين.
فما كان من العربدة “الاسرائيلية” المعهودة، إلا أن زحفت في الأراضي السورية التي تضبطها معاهدات واتفاقات بقرار فكّ الاشتباك في القنيطرة بعد عودتها للسيادة السورية عام 1974 م.
وقد تضمنت الاتفاقية على أن “إسرائيل” وسوريا ستراعيان بدقة وقف إطلاق النار في البر والبحر والجو، وستمتنعان عن جميع الأعمال العسكرية فور توقيع هذه الوثيقة، تنفيذاً لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 338، المؤرخ في 22 أكتوبر 1973 م، الأمر الذي يُعدّ
انتهاكاً صارخاً آخرًا يضاف الى سجل دولة الإحتلال المفتوح في غزة.
طردت “إسرائيل”، سكاناً في بعض قرى القنيطرة، واستولت على عمق جيد وفعال يجعلها تملأ أي فراغ – وإن بشكل مؤقت-  من خلال تصريح (رئيس حكومة العدوّ الإرهابي الصهيوني) بنيامين نتنياهو، نفسهُ عن نيتهم البقاء في المناطق المسيطر عليها حتى إنقضاء سنة 2025 على أقل تقدير، شاغلةً لفراغٍ شكله فرار جنود النظام البائد من القطع العسكرية، وانهزام قائدها الفار الذي كان دائماً مصدر طمأنينة وحارساً لدولة الاحتلال عبر عقود وفياً لنهج أبيهِ من قبلهِ.
إن الواقع السوري الجديد، ربما لا يهدد أمن دولة الاحتلال، لكنه قد يجعلها متحفزة أكثر من أي وقتٍ مضى، لفرض منطق القوة والإنصياع تحت إرادتها ضد أي شكل سياسي للسلطة الجديدة في سوريا، المتعطشة الى الانعتاق من الطغيان، الى أيّ سلطة مؤقتة، انتقالية، مستمرة أو دائمة، لا فرق، طالما أن التطبيع هو السبيل للخروج من مأزق دولة مدمرة وبنىً تحتية منهكة وأمكانيات عسكرية حقيقية معدومة.
لا يخفى على كلّ ذي لبيب، أن واقع سوريا الموحدة، هو “سيناريو” لا يعجب دولة الاحتلال، حتى لو تنازل كل السوريين عن حقهم في أرضهم  الجولان المحتل – وهذا محال-  فهرولوا بقواهم ونُخبهم ومن سيحكمهم نحو التطبيع والدخول في سياسة السلام المفروض ضمن ما تُحيكهُ “إسرائيل” منذ السابع من اكتوبر من العام الماضي، (عملية طوفان الأقصى)، ولو صاروا جزءاً أصيلاً ضمن واقع (الشرق الأوسط المفيد)، ذو الصفر من المشكلات، فإن سوريا مقسمة الى أقاليم – أيّ دويلات، حسب ما عرفناه في تاريخنا العربي المعاصر- سوريا المقسمة المطبعة (عالخفيف)، أي حالة اللا حرب واللاعتراف – أفضل  بكثير من سوريا موحدة قوية مطبعة,
على الجانب الآخر، ترى “إسرائيل” نفسها مُحجمة لقوة إيران، وقد بترت أذرعها بنسبة كبيرة في المنطقة عمومًا، باستثناء العراق، الذي يبدو أنه سيشهد الجولة الأخيرة بين طرفيّ النزال الصهيوني/ الفارسي في بلادنا.
يرى السوريون، أنفسهم أمام واقع لا فرار من مواجهته، ولطالما حلموا فيه مواجهةً لا تكون إلا عبر الحوار السوري، الجامع لكل القضايا والمسائل الممتدة من رغيف الخبز إلى مواجهة مشاريع (قسد الإنفصالية) في شرق سوريا، وملاحقة فلول النظام، وإعادة الإعمار، وعودة اللاجئين حتى العلم “الاسرائيلي” المرفوع في القنيطرة، فوق أرض سوريا الجديدة المحررة، مشاركة دونما تسرّع وبحرص ثوري وعمل دؤوب.
هذا الحوار الذي ينشأ أرضية للمشاركة الحقيقية في البناء السياسي لشكل الدولة وأولوياتها ودستورها ونظام الحكم فيها، وطبيعتهِ التي نتج بفعل انتصار الثورة من خلال تبني أهدافها؛ الانتصار الذي دفع ثمنه أبناء سوريا، دماءًا كفيلةً بأن تحرر أمة بأكملها أو أن- تستنهض همم أبنائها على أقل تقدير- وجعل من التشاركية ومدّ يد العون لإدارة العمليات، ودعمها، واجباً لا رفاهية فيه، والاستفادة منها وإفادتها مسار حتمي نحو الحرية، والعيش الكريم في دولة المواطنة وسيادة القانون.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى