سيطرة الصين على مصادر الطاقة تجعلها الرابح الأكبر في حرب ترامب ضد إيران!
“المدارنت”
قال ميكاي ميدان، مدير البحث في معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة، إن الصين هي الفائز المفاجئ في حرب الرئيس دونالد ترامب ضد إيران.
وقال في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” إنه عندما اندلعت الحرب في نهاية شباط/فبراير، كانت الصين في وضع حرج. فقد اعتمدت، وهي أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، في السنوات الأخيرة على الواردات لتلبية أكثر من 70% من استهلاكها، وجاء نصفها تقريبا من الشرق الأوسط.
وبدا أن إغلاق مضيق هرمز، بعد أشهر من تعطيل الولايات المتحدة لتدفق النفط العالمي من فنزويلا، سيحقق أكبر مخاوف القادة الصينيين الاستراتيجية: صدمة نفطية مدمرة لا يمكنهم السيطرة عليها.
ومع ذلك، فحرب الرئيس دونالد ترامب على إيران كانت بمثابة الكشف الذي رحبت به الصين، وجعلها تستوعب واحدة من أشد اضطرابات إمدادات النفط في العصر الحديث، وأظهرت أن سنوات من الاستعداد قد خففت من نقطة ضعف هائلة ومصدر محتمل لنفوذ الولايات المتحدة على بكين في مواجهة جيو/ سياسية.
ويقول ميدان إن الصين ظلت مكتفية ذاتيا بالنفط حتى عام 1993، عندما حولتها الاحتياجات المتزايدة لاقتصادها المزدهر إلى مستورد كبير، وارتفعت واردات النفط بشكل كبير في السنوات اللاحقة، مما دفع الرئيس هو جين تاو إلى التحذير عام 2003 من أن قوى معادية قد تسعى للسيطرة على مضيق ملقا، الممر البحري في جنوب شرق آسيا الذي يمر عبره جزء كبير من النفط المستورد للبلاد.
ومن هنا، ردت بكين باستراتيجية شاملة للحد من هذا الخطر، ونوعت مصادر الإمداد للحد من حصة النفط القادم من الشرق الأوسط، وبدأت في بناء ما يقدر الآن بأنه أكبر مخزون من النفط الخام في العالم، والذي يعادل تقريبا مخزون الولايات المتحدة واليابان مجتمعتين.
كما سعت الصين جاهدة لتحويل سيارات الركاب من الوقود الأحفوري إلى الطاقة الكهربائية، بشكل جعلها أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم اليوم، وهي توسع نطاق هذا الجهد ليشمل الشاحنات.
ويعتمد توليد الكهرباء بشكل شبه كامل على مصادر الطاقة المحلية، مثل الفحم والطاقة النووية والطاقة الكهرومائية، وبشكل متزايد، طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
وقد خضعت هذه الاستراتيجية طويلة الأجل لاختبار حقيقي في ظل الحرب الإيرانية، وهو ما اجتازته بنجاح حتى الآن.
وقد أدى انقطاع تدفق النفط عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط. لكن على عكس أزمة نقص الفحم في الصين عام 2021، حين أصدرت الحكومة تعليمات للمستوردين بتأمين إمدادات الطاقة على وجه السرعة، لم تصب الحكومة الصينية بالذعر هذه المرة. فقد انخفض تدفق النفط إلى الصين بشكل حاد مع تقليص المستوردين لمشترياتهم. ولجأت البلاد إلى مخزونها الاحتياطي مع تقييد صادرات وقود النقل للاحتفاظ بالمزيد محليا.
ويبدو أن ارتفاع أسعار الوقود قد دفع العديد من السائقين الصينيين إلى استخدام وسائل النقل العام أو سيارات الأجرة أو خدمات النقل عبر التطبيقات، والتي يعمل الكثير منها بالكهرباء. ونتيجة لذلك، وبينما اضطرت بعض الحكومات في آسيا إلى اتخاذ تدابير طارئة مؤلمة، مثل تقنين الوقود ورفع الأسعار وتقليص الخدمات العامة، لم يتأثر الاقتصاد الصيني بشكل ملموس.
كما ساهم ضبط الصين لمشترياتها في أسواق النفط العالمية في تخفيف الضغط على الأسعار، مما جنب العالم صدمة نفطية أكبر، ومن المفارقات، أنه خفف من التداعيات السياسية الداخلية على ترامب من خلال الحد من تأثير ذلك على أسعار الوقود في الولايات المتحدة.
وقال ميدان إن قدرة الصين على تجاوز اضطرابات النفط الناجمة عن الحرب الإيرانية كانت مفاجأة للكثيرين. ولم يكن ينبغي أن يكون الأمر كذلك، لأن الحكومة أمضت سنوات للاستعداد له.
وأضاف أن قادة الصين ينظرون إلى الطاقة كمصدر للقوة الوطنية والجيوسياسية، تضاهي قوتهم الصناعية والتكنولوجية والعسكرية. وفي عام 2021، دعوا إلى أن تصبح الصين “قوة طاقة عظمى”، أي أقل اعتمادا على الوقود الأحفوري، مع قدرتها في الوقت نفسه على توفير طاقة وفيرة وموثوقة للاقتصاد.
وحتى قبل اندلاع الحرب في شباط/فبراير، ذكرت وسائل الإعلام التي يسيطر عليها الحزب الشيوعي أن تحقيق هذا الهدف أمر بالغ الأهمية للصين “للحصول على زمام المبادرة في منافسة القوى العظمى”، في إشارة واضحة إلى المنافسة مع الولايات المتحدة في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل التصنيع المتقدم ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
وتعكس خطة الطاقة الصينية الأخيرة، التي اعتمدت هذا العام، هذا الطموح، فهي تدعو إلى تطوير المزيد من مصادر الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى الطاقة النووية والطاقة الكهرومائية، مع الإبقاء على الفحم الحجري الذي لطالما شكل العمود الفقري لنظام الطاقة الصيني، كخيار احتياطي أساسي.
وتستثمر البلاد بكثافة في خطوط نقل جديدة لنقل الطاقة من المناطق الغنية بالموارد إلى المدن والمصانع التي تحتاجها، وفي البطاريات وغيرها من تقنيات التخزين، بالإضافة إلى تحديث الشبكة للحفاظ على استقرار إمدادات الكهرباء.
ورغم تمتع الولايات المتحدة بمزايا هائلة في مجال الطاقة، فهي لا تزال القوة النفطية والغازية الرائدة عالميا، بفضل وفرة مواردها المحلية، وقدرتها على معالجتها وتصديرها على نطاق واسع، واحتياطياتها الاستراتيجية الضخمة. إلا أن نظامها الكهربائي يواجه مشاكل في مواكبة الطلب المتزايد بسرعة من موجة جديدة من الصناعات المستهلكة للطاقة.
ولعقود، بدا أن نفوذ النفط يتركز في الدول التي تسيطر على الإمدادات، مثل أوبك وروسيا وغيرهما من كبار المصدرين، بالإضافة إلى منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة، التي تستطيع التأثير على الأسعار من خلال زيادة أو تقليل الإنتاج.
إلا أن أزمة هرمز كشفت عن تحول الصين إلى نوع جديد من القوى في مجال الطاقة، فهي مستورد نفط ضخم لدرجة تمكنها من التأثير على أسعار النفط العالمية ومقاومة الاضطرابات الخارجية.
ولا يزال اعتماد الصين على النفط المستورد كبيرا، لكن الجغرافيا السياسية للطاقة تتجه من السيطرة على تدفق النفط إلى السيطرة على الأنظمة الصناعية الكهربائية. وتتمتع الصين بميزة واضحة في هذا التحول، مما يعزز موقفها في المنافسة الصناعية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة.



