“هآرتس” العبرية: التطهير العرقي في الضفة يتواصل من دون رادع!

“المدارنت”
أثار حدثان روتينيان للعنف الاستيطاني في الأيام الأخيرة صدمة أكبر من المعتاد لدى الرأي العام في إسرائيل، الذي كعادته لا يبالي بما يرتكب باسمه في الضفة الغربية وقطاع غزة. في الحالة الأولى، وثق فتى ابن 16 من مستوطنة “افيغيل” وهو يضرب ظهر فلسطيني مبتور الساق بقضيب حديد، كان قد انحنى لالتقاط عكازه. وفي الحالة الثانية سرق مستوطنون حماراً من مزارع فلسطيني، ثم ربطوه بجيب الرينجر خاصتهم وجروه حتى سقط ونفق.
من السهل فهم سبب اختراق هذه الصور بالتحديد جدار اللامبالاة: شخص مقعد على عكازات وحمار مربوط، تجسيد للعجز. عندما يعجز الضحية عن الهرب أو المقاومة يظهر التنمر أكثر حدة. ولكن هذه الحالات ليست استثنائية؛ فعجز الضحايا أسلوب من أساليب الإرهاب الاستيطاني ومشروع الاستيطان كله. من جهة، يقف إسرائيليون مسلحون وخلفهم الجيش والشرطة والحكومة والقضاء وميزانية الدولة، كلهم يقفون وأمامهم مواطنون فلسطينيون يعرفون أنهم إذا رفعوا أيديهم للدفاع عن أنفسهم يوصفون بـ“الإرهابيين” وحينئذ يصبح قتلهم مسموحاً. يحب المستوطنون تخيل أنفسهم محاربين لا يخافون من أي شيء، لكنهم في الحقيقة ليسوا سوى زعران جبناء.
لكن حتى عندما توثق الحقيقة بالفيديو، يعرف الإسرائيليون كيفية تحريفها بحيث لا تتعارض مع الرواية التي يروونها لأنفسهم. وقد حدد افري جلعاد وبني تسيفر حدود النقاش مؤخراً في “افري وشاركي”. شعر جلعاد بالرعب من إساءة معاملة الحمار. وحسب قوله: “عندما يمسون بإنسان أحياناً يكون الأمر معقداً”. لكن “لا يوجد أي تعقيد هنا. هذا الحمار ليس جزءاً من الصراع. فهو لا يدعم حماس”.
تسيفر – الذي سيكون مسروراً بتبرير أي عمل إذا تبين أن صاحبه سيصوت لنتنياهو – مثل المسار الثاني للقمع. “هناك أشرار في كل مكان”، أوضح تسيفر، لذا “لا صلة للمستوطنين بالأمر”. جلعاد مستعد للاعتراف بوجود أبرياء في الطرف الفلسطيني، لكن إذا كانوا حيوانات. ويترك تسيفر مجالاً لاحتمالية أن يكون مستوطن ما مذنباً لتبرئة مشروع الاستيطان.
هنا المستوطنون لا يشفقون على الخراف أو الحملان، كما يقول جدعون ليفي. يا لها من نعمة أن يكون كل شيء غير سياسي ومفصولاً عن السياق، وإلا لاكتشفنا أن هاتين القضيتين تنفذان خطة عمل حركة الاستيطان بنداً بنداً: تخويف مجتمعات بأكملها والإضرار بقدرتها على كسب الرزق، وتهجيرها من أرضها، والعمل تحت حماية القانون وفوق القانون. نادراً ما يلاحظ أي شكل من أشكال تطبيق القانون في القضايا البارزة. فمثلاً، اعتقل الفتى من “افيغيل” قبل يومين، وفي الأسبوع الماضي وجهت لائحة اتهام إلى يديديا كوفمان، الذي دهس قطيع أغنام بسيارة “رينجر” وقتل نعجة حاملا. لكن هذه الاستثناءات تؤكد القاعدة لأنها تكشف المنطق السادي للآلية كلها.
وإذا كان هناك حاجة إلى دليل على الصلة الوثيقة بين الإساءة والسياسة فيمكن فحص الأداة التي تتكرر في أفلام الفيديو: سيارة الرينجر. تم ربط الحمار بها، وتم دهس الأغنام بها، وضرب الفلسطيني المقعد بجانبها. هذه هي السيارات ذاتها التي تفاخرت الوزيرة أوريت ستروك والوزير سموتريتش بتوزيعها على البؤر الاستيطانية لتعزيز “سيطرتنا على الأرض”. المزارع تحصل على سيارات الرينجر كوسيلة للسيطرة على مساحات واسعة، ويستخدمها المستوطنون لإلحاق الأذى بالفلسطينيين وبمصادر رزقهم. على أرض الواقع، يتخذ مصطلح “السيطرة على المكان” معنى بسيطاً: مضايقة أي كائن حي يقف في طريقنا.
الصدمة الإسرائيلية ليست سوى طقوس تطهر متسرعة: حالتان معزولتان فظيعتان تدانان باعتبارهما استثناء، وبالتالي تبرران الروتين الذي ينتجهما. في غضون ذلك، يستمر التطهير العرقي في الضفة الغربية دون رادع، وسيارات الرينجر التي تم شراؤها بأموالنا تنشر الرعب على المكان. ولكن ما زلنا نعتبر أنفسنا أناساً صالحين. فعندنا لا يضربون الحمير.



