مقالات

“سيكولوجية” الإنسان المتمرّد إيجابيًا…

د. محمد الحسامي/ اليمن

خاص “المدارنت”..
تحدثنا وبشكل موجز في المقالة للأسبوع الفائت، حول عملية التمرّد الإيجابي، وقلنا بأنه ليس بإستطاعة أي إنسان أن يكون متمردا إيحابيا، فذلك الإنسان حتى يستطيع بأن يكون ذلك المتمرد الإيحابي، لا بد بأن تتوفر فيه عدة سمات وصفات وخصائص، تؤهله لأن يكون كذلك…
من ضمن هذه الصفات والسمات والخصائص, طبعا في حال توفرها، فهي لا تتوفر في أي إنسان، إنما في قلة قليلة، قد يكونوا معدودين في أي مجتمع أو شعب أو أمة… وفي نهايتها طرحنا هذا السؤال التالي:
ما هي تلك السمات والصفات والخصائص التي يجب توفرها في ذلك الإنسان المتمرد..؟
ومتى يعتبر ذلك التمرّد تمردا إيجابيا؟
بمعنى أخر: ما هي سيكولوجية الإنسان المتمرد إيجابيا؟
إن تلك السمات والصغات والخصائص التي تتوفر في الإنسان، حتى يكون متمردا إيجابيا وقادرا على فعل ذلك والقيام به، وبشكل موجز ومختصر ومبسط وبلغة بسيطة غير معقدة ومتواضعة، وبحسب الأرضية المعرفية المتواضعة لكاتبها، هي:
ان يكون ذلك الإنسان.. إنسانا إنسانيا، يحترم الإنسان كونه إنسانا أينما وجد وكيفما كان وحيث ما حل وارتحل، وحقه الطبيعي في الحياة الحرة الكريمة من دون أي إنقاص أو إنتقاص منها ولها, مهما كانت عقيدته ودينه ولونه ونوعه ومكانته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والطبقية والفئوية.. ومهما كانت جنسيته وموطنه الطبيعي..
ان يحمل ذلك الإنسان… وعيا أخلاقيا بكل سماته وخصائصه ومظاهره، بما ينتج عن ذلك الوعي الأخلاقي من أقوال وأفعال وسلوكيات وتصرفات أخلاقية من قبله, وكل ما يقوم به ويفعله في حياته اليومية، سواء في علاقته مع نفسه، أو في علاقاته مع الأخرين المحيطين به ومع الأخر الإنسان أينما وجد وكيفما كان..
بحيث يتعامل مع الرذيلة كونها صفة ممقوتة في جوهرها وذاتها مهما كان مصدرها ومنبعها ومنبتها، ومهما كان الممارسين لها.. والفاعلين لها… والقائمين بها.. قربا أو بعدا منه وعنه..
ان يكون ذلك الإنسان… إنسانا حساسا شعوريا ومرهفا وجدانيا تجاه أي قول أو فعل أو عمل أو سلوك أو تصرف من شأنه الحاق الأذية والأذى بأي إنسان، أينما وجد وحيثما كان وارتحل، مهما كانت تلك الأذية ومهما كان ذلك الأذى في الدرجة والحدة والحجم والكبر والصغر، ومهما كان المصدر والمنبع والمنبت.. ومهما كان الممارسين.. والفاعلين.. والقايمين..
ان تكون عقلية ذلك الإنسان… عقلية نقدية فاعلة ومنفعلة, فاعلة إيجابية ومنفعلة مع كل شيء إيجابي، ترفض التقليد السيء وتمقته وترفض الإتباع الأعمى لما يحيط بها ومن يحيط بها، وتسعى جاهدة لتغيير ذلك..
أن يكون ذلك الإنسان… إنسانا مثقفا إنسانيا كبيرا بكل سماته وصفاته وخصائصه ومظاهره، وبكل الأدوار والمهام المناطة به.. ينهل من الثقافة الإنسانية النبيلة ويحلق عاليا في الفضاء الإنساني الأوسع والأرحب للإنسان وللإنسانية جمعاء، بعيدا كل البعد عن الإنغلاق في المدى الضيق للعصبيات الضيقة والمقيتة، وعيا وعقلية وثقافة وأفكارا وسلوكيات وتصرفات..
ان يملك أولا ويمتلك ثانيا ذلك الإنسان… الشجاعة الكاملة والجراءة القوية للقيام بذلك.. وأن يملك ويمتلك الإرادة القوية والعزيمة الصلبة والإصرار الفولاذي للقيام بذلك مهما كانت العراقيل والصعوبات الجمة والخطيرة التي تعترضه، وتقف حجرة عثره أمامه، وهي كثيرة وجمة, ومهما كانت تكلفت ذلك عليه، فهو إنسانا مغامرا لدرجة قصوى..
ان يكون مصدر ما يقوم به ذلك الإنسان.. والمحرك الأساسي له مصدرا ومحركا أنانيا ذاتيا بحتا، طبعا هذا لا يعني بأن مصالح الآخرين، لا تؤخذ بعين الإعتبار من قبله، باحثا عن ذاته الحقيقية, ساعيا الى اكتشافها ومعبرا عنها، فهو بدوّن ذلك لن يقوم بأي تمرد إيجابي إذا لم يحس ويشعر إحساسا وشعورا حادا بأهمية القيام بذلك التمرد.. وبأنه شخصيا في أمسّ الحاجة إلى القيام بذلك.. إرضاء لذاته ونفسه في المقام الأول..
إذ أنني شخصيا أرى ومقتنعا بذلك, بل ومؤمنا بذلك, بأنه لا يمكن لأي إنسان أن يكون متمردا حقا وحقيقة.. إلا إذا كان جوهر ذلك التمرد هو الأنانية الفردية “أنانية الذات حبا وهياما”,منبعا ومصدرا وتوجها وموجها ورغبة حقيقية صادقة..
إن الأقوال والأفعال والسلوكيات والتصرفات الصادرة عنه، ما هي إلا نتيجة طبيعية وحتمية وانعكاسا طبيعيا وحتميا لتلك الأنانية.. ومعبرة عنها, طبعا بألا يكون ذلك الفرد مجبرا جبرا على القيام بذلك.. وتلك.. بفعل عوامل محيطة به.. وإذا حدث ذلك الجبر فإنه ينعكس حالة مرضية نفسانية على ذلك الفرد..
وبأن ذلك ينطبق تمام التطابق سواء بسواء على التمرد والأقوال والأفعال والسلوكيات والتصرفات الإيجابية منها أو السلبية… فكل يجد ذاته الحقيقية في أنانيته…
لكني هنا أقصد بتلك الأنانية “الأنانية الإيجابية”، التي تعتبر المحرك الرئيسي والأساسي لذلك الإنسان المتمرد تمردا إيحابيا وجوهر تمرده.. إذ أن عليه التخلص من أيّ بوادر للأنانية الذاتية السلبية التي من شأنها أن تعود بالضرر على الصالح العام..
أن يكون ذلك الإنسان… إنسانا حرا ومتحررا من كل أشكال وأصناف وأنواع وصور العبودية، كافرا بكل الصنميات وصابئا بها، وبخاصة، وفي مقدمتها تلك الصنميات الايدلوجية المقيتة..
ان يكون ذلك الإنسان..متحررا ومتخلصا من كل القدسيات والمقدسات والقداسات الزائفة والمزيفة.. ومن كل تلك المفاهيم الخاطئة والمقلوبة.. واعيا لها ومؤمنا بقدرته على تصحيحها وإعادتها إلى جادة الصواب، متسلحا ومسلحا بالفكر الأخلاقي التنويري وبالثقافة الإنسانية النبيلة وبالوعي الأخلاقي كمحرك أساسي ووحيد لذلك.. مدركا خطورة ما يقوم به والصعاب والعرقيل التي تقف أمامه وتعترضه..
ان تكون لدى ذلك الإنسان… الرؤية الواضخة لكل ما يقوم به ولكل الظروف المحيطة به.. وأن يستطيع ان يحدد تحديدا دقيقا متى يمكنه الوقوف وبحزم والقول: “لا”، ومتى يمكنه فعل العكس من ذلك..
تلك، وبإختصار شديد، أهم السمات والصفات والخصائص الواجب توفرها أو البعض منها في ذلك الإنسان المتمرد إيجابيا، طبعا من وجهة نظري الشخصية المتواضعة..
لكن السؤال الجوهري هنا هو:
متى يمكن للإنسان, سواء الإنسان الفرد أم الإنسان المجتمع, بأن يقوم بتلك العملية, عملية التمرد الإيجابي؟! وما هي الظروف والابجديات والشروط اللازمة للقيام بتلك العملية؟! وهل وضعنا كأمة وبصفة عامة تحتم علينا القيام بتلك العملية؟ أم أن الظروف والشروط اللازمة لها لم تتوفر بعد؟

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى