صلاة اللاستسقاء بين “طوفان الأقصى” و”طوفان لبنان”!

خاص “المدارنت”..
ورد في الأثر الإسلامي، أنّ المطر إذا انقطع فترة وعمّ الجفافُ الأنهارَ والجدبُ البلادَ، لجأ الناس إلى “صلاة الاستسقاء” طلبًا لنزول الغيث، وأعقبوها بالدعاء الآتي: “أللهم اسقنا، أللهم اسقنا، أللهم اسقنا، أللهم أنزل المطر حوالينا لا علينا، أللهم على الآكام والآجام والظّراب – جمع ظَرِب أيّ الرابية – والأودية ومنابت الشجر”.
أمّا عندنا – في لبنان – فلكيّ نتلافى الضرر ولا نغرق في الماء، بسبب طوفان الشوارع والطرقات والأحياء وحتى البيوت – الطريف أنّ معرضًا للكتاب كان مقامًا وقت هطول المطر فتدفّقت المياه إليه بكثرة، إلى درجة أنّنا سمّيناه “مسبح الكتاب” – الذي يحصل من الأمطار نتيجة النفايات التي تخلّفها “النفايات”، ونتيجة إهمال الدولة والبلديات…
وكيّ نصل إلى بيوتنا من دون غضب ومن دون توتّر و”تعصيب”، كباقي المواطنين في أي بلد في العالم يحترم الإنسان، نجيّر – أنا ومَن لا ينتمي إلى أيّ زعيم وسياسي وأيّ حزب، ولا نتبنّى الفكر العقيم الذي يتبعه كلّ منهم، ويقنعون به أتباعهم الذين ينطبق عليهم وصف فريدريش نيتشه في مؤلّفه هكذا تكلّم زرادشت:
“الرعاع اعتنقوا أفكارهم من دون براهين، فكيف يمكنك أن تقنعهم بزيفها من خلال البراهين؟ إن الإقناع في سوق الرعاع لا يقوم إلا على نبرات الصوت وحركات الجسد، أما البراهين فهي تثير نفورهم” – نجيّر هذا الدعاء إلى المرابطين في فلسطين، والمقاتلين فيها والمجاهدين في سبيل كرامتهم الذين انتفضوا ضدّ من سلبهم إيّاها مع أرضهم وبيوتهم، وهذا ما لم نفعله نحن اللبنانيين، واعتدنا إهانتنا وإذلالنا من السياسيين والزعماء اللبنانيين، وأدمنّاهما، لأنّ “مَن هانت عليه نفسه، فهو على غيره أهون”.
ندعو لهم بالثبات وإبعاد الشرور عنهم، وإنزال المطر في بلادهم أولًا، لأنّ فيه الخير بعد انقطاع الماء عنهم من ضمن أساسيات الحياة التي فقدوها، ثانيًا، لكي يكتمل “طوفان الأقصى”، بامتناع القصف الجوّي نتيجة سوء الرؤية وببقاء المقاتلين مرابطين في مواقعهم على الأرض.
فالشعب اللبناني رضي الهوان في حياته وقبِل إذلال نفسه لزعمائه وإجلالَهم، لأن الهدف من وجوده في الحياةِ، راحتُهم ونيلُهم وأولادَهم وعائلاتهم رغد الحياة ورفاهها، وهو مجرّد أداة لسعادتهم “فهم أربابه وأرباب البلد”، ويكفي أن يكونوا هم بخير ليشعر هو بقيمة وجوده، وإن كان أولاده يموتون جوعًا أو يلفظون أنفاسهم أمام أبواب المستشفيات أو بالحوادث على الطرقات، نتيجة إهمالها، أو عند محطات الوقود أو عند الأفران…
ففي هذا اللابلد الذي نحن فيه، أصبحنا نتمنّى – في الأقلّ أنا ومَن يشبهني – انقطاع المطر، رغم ما سيصاحب هذا الأمر من جفاف وجدب وقلّة في الخير وموت للأحياء، حتى لا نصرف أوقاتنا عالقين على شبه الطرقات الموجودة في لبنان، في زحمة سير خانقة تستمرّ مدّة دوام عمل كامل، في الذهاب أو في الإياب.
قد تغرق الشوارع بماء المطر في دول العالم كلها، نتيجة كثرة المتساقطات أو نتيجة الفيضانات، وهذا أمر طبيعي وقد يقبله الناس، ولكن أن يحصل كلما هطل المطر، فهذا ما لا يقبله أيّ عاقل، خصوصًا أنّ لبنان ليس من البلدان التي تضربها الأعاصير والفيضانات والتسونامي…
إذًا، ببساطة، المسألة مسألة إهمال وزبائنية ومحسوبيات وسرقات، وأكثر من هذا مسألة فساد، فالشعب اللبناني أكثر فسادًا من زعمائه الذين يختارهم كلّ مرّة، لأنّه مستفيد من هذا الفساد، ولا يريد بناء وطن قائم على المواطنة والاستقامة والنظافة في الضمائر والعقول والطرقات… وتجاهلَ أو تعامى عن أنّ أهمّية أيّ مسؤول تكمن في خدمة الناس، بعيدًا من المطامع الذاتية والأهواء السلطوية الأنانية، وأنّ دوره يكمن في التفاني في خدمة الناس بحكمة ووعي، وإن على حساب وقته الخاص وجهده من دون أي منفعة شخصية مباشرة.
وأزيدُ من الشعر بيتًا، قال ونستون تشرتشل: “كلّ شعب في العالم ينال الحكومة التي يستحقّها”، والشعب اللبناني – لا شكّ – استحقّ الحكومات كلها طوال تاريخه، ليصل إلى ما وصل إليه من انحدار في أمور حياته كلها، فقد أدهشتنا قدرة هذا الشعب على تحويل كلّ ما وصل إليه فكره ويده وخياره إلى الانحطاط وإلى كومة من الحطام والقذارة.
لذا، يجب أن نصلي “صلاة الاستسقاء” ليكتمل “طوفان الأقصى”، ويكون دعاؤنا للفلسطينيين بالخير والنصر. ونصلّي “صلاة اللاستسقاء” في لبنان، ويكون آخر دعائنا “أللهم لا تسقنا، أللهم لا تسقنا، أللهم لا تسقنا، أللهم لا تنزل المطر حوالينا ولا علينا، أللهم ولا على الآكام والآجام والظّراب، ولا في الأودية ومنابت الشجر”، كي لا تغرق الطرق ولا يصيبنا أيّ ضرر!



