مقالات

طعم الفاكهة في ديار “الفاكهة”

د. محمود المسلماني/ لبنان

خاص “المدارنت”..
نشر الليل عباءته المبلّلة بالمطر فوق القرية الوادعة؛ فأوى القرويون الى منازلهم يطوون في جنباتها ساعات من السمر الممتع اللذيذ.
كان الليل كانونياً: رياح تعصف، ورعود تهدر، وبرد ينشب مخالبه في ساحة القرية وباحات دورها وأزقتها المتعرجة الضيّقة.
استقبلت أسرة “بو ديب” هذا الليل، بما وسعها من جهوزية لازمة. ملأت “أم ديب” القنديل زيتاً، ومسحت بلّورته، وقصّت فتيله، ثم وضعته موضعه على “الوجاق”، واشعلته لينشر اضواء متواضعة في مواجهة الظلمة الوافدة.
وجاء “بو ديب”، وملء ذراعيه “الشيح” اليابس، وحطبات من جذوع “المشمش”، كان قد احتطبها بفأسه عصراً. ألقى “الشيح” في الموقد، وفوقه قطع الجذوع المحتطبة وأشعل النار، فشبّ لهيبها ينشر دفئه في ارجاء الغرفة الواسعة.
ولم يتأخّر العشاء طويلاً، فقد رُكّزت القدر على الموقدة وألقيت فيها حبوب البرغل والعدس، وتركت لتنضج على مهل؛ حتى إذا تمّ ذلك، بُسطت المائدة على الأرض، فتربّع الجمع حولها، وشرعوا يتناولون اطايبها من البرغل واللبن وانواع الكبيس اللذيذ.
وانفضّت البطون عن المائدة، فحملت “أم ديب” بقايا الطعام الى الغرفة المجاورة (لم يكن القرويون الفقراء في تلك الأيام قد عرفوا نعمة وجود المطبخ والصالون وغرفة النوم… وغيرها من مستحدثات الحضارة المعاصرة)، ثمّ عادت لتجلس الى جانب الجدّة “ام ابراهيم”، تمشّط الصوف، وتدفعه إليها، فتغزله بـ”الدولاب” ليتحوّل بعد صبغه الى النول الذي يحيكون به السجّاد الفيكانيّ المميّز.
لم يمكث “بو ديب” طويلاً بعد تناوله العشاء، فقد غادر للسهر عند الجيران؛ فيما كان الأولاد يلحّون على أمّهم لتسعدهم بحكاية من حكاياتها المشوّقة، ولم تكن الأم لتتردّد في رواية ما في جعبتها من حكايات كثيرة.
اعتلّ بصر “بو منصور… استدعت الزوجة الحكيم المغربيّ الذي كان يتجوّل في القرية على بغلته الحمراء… يصف للأب اوراق التين المسحورة في بستان الغول السوداء… يدعو الأب أبناءه لجلب تلك الاوراق فيمضون: يسير الأول في طريق “الغريق”، والثاني في طريق الحريق؛ أمّا الثالث فيسلك طريق “السُّد ما يردّ”… يعود الأوّلان خائبين، ويتابع الثالث “الشاطر”.
في الطريق الوعر الذي يسلكه. يلتقي ناسكًا، فيزوره في منسكه سائلًا عن الشجرة المسحورة، فيرشده الى طريقها، ويزوّده بنصائحه، فيتابع السير ليعثر على الغول رابضة على مدخل وكرها… كان مفتّحة العينين. تذكّر قول الناسك: “تكون حينئذٍ نائمة”. اسرع ليرضع ثديها ويقلّم اظافرها، فتستيقظ يغلبها حنان دافق… ترافقه الى تلك الشجرة وتقطف له من ثمارها واوراقها فوق حاجته، وتسخّر له حصانًا مجنّحًا يطير به مع الدواء الى أهله…
كانت “أم ديب” تروي حكايتها، وعيون الاطفال تذبل رويدًا رويدًا؛ حتى اذا شارفت الحكاية على الإكتمال كانت العيون قد فارقت صحوتها؛ فصاح الجدّ بـ”أم ابراهيم”:
“يالله أومِي مدّيلنا صارت الساعة عشرة والاولاد ناموا”.
تنهض الجدّة والأم تمدّان للنوم، فيأوي كلّ الى فراشه في غرفتيّ المنزل.
وعندما يعود الأب، بعد ذلك بقليل، يلتحق بزوجته واولاده، تاركاً لليل ان يكمل حكاية البرد والمطر والأجواء العاصفة.
في تلك الايام المعجونة بالحب والخير والبركة، كان لليالي الحكايات والسمر قرب الموقد، مع الاهل والجيران طعم الفاكهة في ديار “الفاكهة”.
رحم الله أهلنا، الذين عاصروا هاتيك الايام. لقد كانوا ملح هذه الارض؛ ولن تفسد ارض ملحها هؤلاء، ولو فسد بعض ابنائها الضالين المسمّمين بقشور هذه المدنية الباهرة.
أمّا “فاكهة” الخير والبركة، فلا تشيخ ولا تموت.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى