مقالات

عزل خان.. هل تستعيد الجنائية الدولية مصداقيتها؟

القاضي كريم خان

“المدارنت”
يوم الجمعة الماضي، صوّتت جمعية الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، على عزل القاضي كريم خان، بعد تحقيق في اتهامات بسوء سلوك جنسي؛ وإخلال جسيم بالواجب. أيّد القرار 82 عضوًا من أصل 125، بينما ينفي خان الاتهامات، ويقول إن الإجراءات لم تكن عادلة، وإن قضيته سُيّسَت. وكان ذلك أول عزل لمدعٍ عام في تاريخ المحكمة.

في تعليقها على قرار عزل خان، اعتبرت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز (التي تتعرض هي نفسها لضغوط مهولة بسبب مواقفها ضد إسرائيل)، أن تزامن العزل مع الجهود الرامية إلى إلغاء مذكرة توقيف رئيس وزراء إسرائيل (الإرهابي الصهيوني) بنيامين نتنياهو، «لا يمكن التعامل معه بوصفه مصادفة عادية»، وجاء إعلان فنزويلا انسحابها من المحكمة الدولية كأول إجراء تتخذه دولة احتجاجا على القرار.

أثار القرار نقاشا حول اختصاص جمعية الدول الأطراف بعزل خان، ففي حين تتيح المادة 46 من «نظام روما» إعفاء المدعي العام عند ثبوت «سوء سلوك جسيم» أو إخلال خطير بواجباته، فإن المادة نفسها تحمي استقلالية مكتب الادعاء من التأثير الخارجي الذي شهد العالم دلائل مفحمة عليه. يدور الخلاف هنا حول ما إذا كانت ممارسة العزل تمت بضمانات كافية من الشفافية وحقوق الدفاع وفي مناخ يسمح بفصل الأدلة التأديبية عن الضغوط السياسية.

يفترض قانونيا ومنطقيا أن عزل خان، لن يؤدي إلى إلغاء مذكرات التوقيف التي صدرت في 21 تشرين ثاني/ نوفمبر 2024، أو التحقيقات اللاحقة بحق نتنياهو (ووزير دفاعه حينها الإرهابي الصهيوني يوآف غالانت)، وهو ما سيتولاه نائبا المدعي العام اللذان سيديران مكتب خان بعد رحيله.

عدم ثبوت عمليات إملاء مباشر من دول أو مسؤولين غربيين أو إسرائيليين في قضية قيام المحكمة الجنائية الدولية بوقف خان، الذي مهّد لقرار عزله دوليا، لا ينفي الضغوطات السياسية التي مورست بشراسة على المحكمة، فمنذ طلب خان إصدار مذكرات التوقيف، واجهت المحكمة سيلا من العقوبات والتهديدات والتشكيك في اختصاصها.

وكان أفاد نفسه قد كشف في نيسان/ إبريل 2024 عن تلقيه تحذيرا من مسؤول بريطاني كبير، يهدد بوقف تمويل المحكمة أو انسحاب بريطانيا منها، كما تحدث عن تهديد أمريكي له بـ”عواقب كارثية”، إذا مضى في تنفيذ إجراءات الاعتقال، وذكر حينها أن السيناتور الأمريكي الراحل لندسي غراهام، حذره من أن الطلب «قد يعرّض الرهائن الإسرائيليين للخطر». أكد خان أيضا أنه تلقى تنبيها من «مسؤول أو زعيم منتخب رفيع» لم يسمه، مفاده أن المحكمة «أنشئت لأفريقيا وأمثال بوتين».

أكدت تحقيقات صحافية موثقة قيام حملات إسرائيلية واسعة ضد المحكمة، شملت مراقبة مسؤولين فيها ومحاولات اختراق اتصالاتهم وتشويه سمعتهم، بمشاركة أجهزة مثل الموساد والشاباك والوحدة 8200، وهو ما يعني أن إسرائيل جنّدت منظومة أمنية واستخبارية واسعة مناهضة لخان، وللمحكمة الجنائية الدولية، وهو أمر يصعب الاعتقاد أنه لم يؤثر، أو يؤدي عمليا، إلى قرار العزل.

أدت هذه الضغوط مجتمعة إلى رفع الكلفة السياسية لبقاء خان، وهو ما يفسّر التصويت الذي أدى لإزاحته، فقد أصبحت المحكمة نفسها عرضة للعقوبات، والتهديد بقطع التمويل، والهجمات الإعلامية والدبلوماسية، وبذلك نجحت إسرائيل وأمريكا، في «هندسة» بيئة القرار بحيث لا تعود بحاجة إلى أمر مباشر بإقالته، وبحيث يصبح استمراره أكثر كلفة، ويدفع العديد من الدول لاعتبار هذا القرار نوعا من التسوية لإنقاذ المؤسسة.

الامتحان الحقيقي للمحكمة في المرحلة سيكون في إظهار قدرتها على نشر أسباب مقنعة للقرار، وضمان استقلال المدعي العام الجديد، ومواصلة ملفات غزة وغيرها من دون انتقائية، فإذا تراجعت التحقيقات الحساسة سياسيا بعد العزل؛ ستتعزز شبهات فكرة «المؤامرة» الإسرائيلية – الأمريكية لإزاحة خان، أما إذا استمرت بالعمل وفق السابقة التي أسسها خان، وقامت أيضا بإصلاح إجراءات المساءلة الداخلية، فقد تنجح المحكمة في تعزيز شرعيتها التي تعرّضت لتساؤل كبير.

رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى