غــزّة.. الـحــرام والـحــلال فــي الأسـئـلــة الـمـثـــــارة.!

خاص موقعيّ “المدارنت” و”ملتقى العروبيّين”
.. لا تتوقف الأسئلة المطروحة عما جرى يوم 07 تشرين أول/ أكتوبر؛ تاريخ بدء عملية “طوفان الأقصى”، ويوماً بعد يوم تزداد هذه الأسئلة؛ تزامناً مع ضراوة المعارك المشتعلة والعدوان الأعمى على غزة وشعبها، وحتى الضفة الغربية وأهلها.
بعض هذه الأسئلة محق ومشروع؛ ويحمل أصحابها نوايا وطنية صادقة ومخلصة، وبعضها خبيث ويدخل تحت ما يمكن تسميته بالأسئلة الحرام التي تجرم ماحصل بالقياس على بعض النتائج الراهنة، أو تقزم الفعل وكل شكل من أشكال المقاومة، وتربطه بنظرية “المؤامرة” بفعل ”ثقافة الهزيمة” التي سيطرت على عقول قطاعات واسعة من النخب والعامة، وشلت إرادتها عن الفعل الايجابي، ومحاولات النهوض والتغيير.
لا شك أن الفاتورة التي يدفعها أهل قطاع غزة؛ باهظة جداً، وتكلفتها البشرية، والعمرانية، والاقتصادية، مرتفعة ومرعبة، وربما، نقول ربما، لم تكن في حسابات من خطط ونفذ، بما هو حاصل اليوم على مختلف المستويات، بشكل دقيق، ولكن ذلك لا يجب أن يدفعنا إلى الاعتقاد بأن ما حصل مؤامرة، أو أقله، مخطط لتمرير صفقات ومشاريع اقتصادية ومائية لربط “إسرائيل” (كيان الإرهاب الصهيوني في فلسطين المحتلة) بالمنطقة، يتم الترويج لها منذ سنوات، بل والعمل عليها من أطراف فاعلة ومؤثرة ومهيمنة على شؤون المنطقة، وكأن المقاومة شريك، أو متواطئة في تنفيذ هذه المخططات الجهنمية.
كما أن الخوض في تفاصيل العملية الشجاعة وكيف تم كل ذلك، والتشكيك بعنصر المفاجأة وحجم الاختراق لكل المنظومات الأمنية، وتضليلها، والتدريب والتسليح، ماهو إلا تسليماً بقدرة العدو الذي “لا يقهر”، وهو الذي اختبر مراراً وتكراراً، وهزم في نقاط ضعفه القاتلة، والتي لا يمكن لأحد أن يجادل في مكمنها داخله، وداخل أية قوة مهما عظمت.
أيضاً، اعتبار ما حصل من الألف إلى الياء يصب في صالح المشروع الإقليمي لإيران، بحكم ارتباط بعض منظمات المقاومة الفلسطينية بها، سياسياً ومالياً، وهي، أي إيران، التي تخلت عملياً عن حماس والمقاومة وتبرأت مما فعلته، ولم تحرك أذرعها في المنطقة لنصرة غزة، بل هي من أسقطت مفهوم وحدة الساحات وتخلت عنه، وعليه فإن أصحاب هذا المنطق قصيري نظر في رؤية المشهد كاملاً، ومن جوانبه المختلفة، ولايدركون حجم المتغيرات الهائلة التي جرت في المنطقة على الأقل في العقدين الأخيرين، إن لم نخض في تفاصيل نصف قرن مضى.
أيضاً، وأيضاً، إن ما بعد “طوفان الأقصى”؛ ليس كما قبله على مستوى القضية الفلسطينية بكل تأكيد، والتقليل من حجم انتصارات المقاومة؛ وما ألحقته من خسائر بشرية وعسكرية ونفسية، وحتى سياسية بالعدوّ الصهيوني، والتي لا يتحملها ولم يعتادها في سنوات الصراع الطويلة، والاستهزاء بتعابير ومصطلحات فرضتها الحرب، كالمسافة صفر، في مقابل التدمير الممنهج وحرب الإبادة الشاملة؛ واعتبار كل ذلك لعباً ولهواً بمصير المدنيّين العزّل، الأبرياء، والحديث عن البطولة والتضحية والفداء والنصر ولو الجزئي الموثق بالصوت والصورة؛ ما هو إلا “ظاهرة صوتية” مصدرها بعض وسائل الإعلام التي تذكرنا بشخصيات إعلامية، وأجهزة إعلام عربية، في حروب سابقة انتهت بفشل، أو هزيمة، كانت تكذب وتدّعي النصر الساحق على أعدائنا.
لقد ذهب البعض ممن يدّعون أنفسهم بالنخبة إلى المطالبة بتقديم قادة “حماس” إلى محكمة الجنايات الدولية، مع قادة “إسرائيل”، لما اقترفاه من تجاوزات وانتهاكات في حالة خطل، سياسي وفكري ونفسي، لا تبرر ولا تغتفر.
عدا عن كل ما سبق؛ يشير البعض في تحليلات “فذة” و”عبقرية” إلى أن القضاء على “حماس”؛ وهزيمتها؛ يعني بالضرورة تفرغ الولايات المتحدة الأميركية لمواجهة إيران، وأدواتها ومشروعها في المنطقة، ما يعني بالتالي، وحتماً، سقوط نظام الأسد وخلاص شعبنا المكلوم بعد كل تلك المعاناة والألم، متناسين أن “حماس” كفكرة مقاومة، وليس كمشروع أيديولوجي، باقية ولن تهزم أو تموت، وهي لا تعنينا إلا بقدر ارتباطها بقضية النضال العربي لاسترداد حقوقنا المغتصبة، التاريخية والمشروعة، وأن بين المشروعين الإيراني والصهيوني مشتركات وتفاهمات، وفي غياب المشروع القومي العربي وعلى حسابه، لا يتسع هذا الحيز للتفصيل فيها.
هذه الأسئلة والأفكار “الحرام” وغيرها الكثير مما يقال تريد تثبيت الهزيمة وتكريس الاحتلال والانصياع للعدو، وتنفي حتمية التغيير بتوفر شروطه، وتنسف معنى الثورات بإرادة وعزيمة أصحابها، بل وحتى معنى رسالات الأنبياء وقصصهم بالصبر والنصر!
في مقابل هذه الأسئلة، والطروحات، هناك أسئلة أخرى في غاية الأهمية، واستحقاقات لامفر من مواجهتها، ولعل أولها، وأهمها، إلى ماذا سينتهي العدوان، وهل نحن أمام تهجير جديد، أو اقتلاع لأهل غزة من تربتهم الوطنية، وكيفية مقاومة ذلك ومواجهته، وماهو المطلوب من المقاومة لتثبيت مشروعيتها الوطنية والقومية، وماهو دور قوى النضال والتحرر العربي؟
إن المخاوف مما يجري مشروعة، والغموض الذي يكتنف بعض التحركات مقلقة، والموقف العربي الرسمي مفجع، وإن لم يكن مفاجىء، والتواطؤ الدولي وتغطية جرائم الاحتلال، والعدوان، وتبريرها، فضيحة أخلاقية قبل أن تكون سياسية…و…و…
كل ذلك مشروع ومفهوم ويجب الخوض فيه بمنتهى الجدية والصراحة والصدق إنطلاقاً من الثوابت الوطنية والقومية.
يبقى لنا أن نقول ونكرر أن فلسطين عربية، وأن ما أُخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وأن ذلك حق مشروع، ومكفول، شرط الإعداد الجيد له، وتوفر الظروف التاريخية، والموضوعية، لتحقيقة “وأعدو…”.
* الرأي الأسبوعي لـ”ملتقى العروبيّين السوريّين”



