مقالات

فلسطين.. قضيّة الغرب الكبرى..

أحمد ذبيان/ لبنان
أحمد ذبيان/ لبنان
عند سقوط الاندلس، عام 1492، انطلق المشروع الاستعماريّ الأوروبّي غربًا الى ما يسمّى اليوم بالقارّة الأميركيّة، نسبة الى مكتشفها “أميرِكو فسبوتشي”، حيث خاض حروب إبادة، لحوالي ثلاثمئة سنة، ضدّ السكان المحلِّيّين – الهنود الحمر – قضت على أكثر من مئة مليون منهم وانتهت بسيطرة الأوروبِّيّين ووضع اهل البلاد الاصليِّين في مُخيَّمات حُكمٍ ذاتِيّ تحافظ على الفقر والجهل والتَمَزُّق ومسارات الزوال..
حقّق الغرب الاستعماريّ مشروعه الكبير في القارّة الاميركيّة الفتيّة ثمّ اتّجَهَ شرقًا ليحتلّ معظم بلاد العالم في مسيرة من مئات الحروب وآلاف المعارك مكّنته، بُعَيد الحرب العالميّة الأولى، من احكام سيطرته على المنطقة العربيّة بأكملها – ومن ضمنها فلسطين.
فلسطين كانت من نصيب الاحتلال البريطانيّ، الذي كان اوّل من فكّر بإقامة مشروع صهيونيّ في قلب أرض العرب، لمنع وحدتهم والامعان في تقسيمهم وتمزيقهم وتفتيتهم، ولاعادتهم قبائل متناحرة تعيش في دوّامة اقتتال وجهل وفقر وتشرُّد..
كانت البداية العمليّة لإعطاء فلسطين للمشروع الصهيونيّ عام 1907، عندما قرّر قادة اوروبّا، في اجتماعهم عند رئيس وزراء بريطانيا، إنشاء كيان غريب في فلسطين تكون مهمّته فصل المشرق العربيّ عن المغرب العربيّ – يتقاتل معهم ويجعلهم يتقاتلون فيما بينهم – وذلك للحفاظ على سطوة اوروبّا وسيادتها على العالم – كما جاء في وقائع جلسات قادة اوروبا آنذاك .
تبنّت بريطانيا المشروع الصهيونيّ بشكل كامل فأصدرت، عام 1917، وعد بلفور الذي قضى باعطاء فلسطين لليهود من اجل انشاء وطن قوميّ لهم، ثمّ شرعت بإنشاء الحواضن العربيّة والاسلاميّة، من دُوَلٍ وأحزاب وجماعات وشخصيّات، اللازمة لتأسيس دولة اسرائيل والمحافظة على وجودها وبقائها واستمراريّة تفوُّقها وتقدُّمها.
قامت بريطانيا، بعد الحرب العالميّة الثانية، بتسليم مسؤوليّة الحفاظ على المشروع الصهيونيّ وقاعدته اسرائيل الى الولايات المتّحدة الأميركيّة التي كانت، في الأساس، المشروع الأوّليّ لفكرة الاستيطان وإلغاء الشعوب.
اخذت الولايات المتحدة الاميركيّة، على عاتقها حماية المشروع الصهيونيّ، جملةً وتفصيلًا، في محطّات لا داعٍ لذكرها نظرًا لكونها تعشعش في ذاكرة كل العرب، والذين يتابعون قضيّة فلسطين من قريب او بعيد.
شكّلت قضيّة فلسطين، الوجدان العربيّ في العصر الحديث بعدما قامت ثورة جمال عبد الناصر ورفاقه، عام 1952، فكانت مسارًا وحدويًّا تقدُّمِيًّا جعل من فلسطين، نقطة ارتكاز في السعي الى تحقيق المشروع العربيّ، الذي استقطب أجيالًا من شباب العرب، كانت فلسطين بالنسبة لهم البوصلة الحقيقيّة لأيّ عمل وطنيّ مهما كان كبيرًا أو صغيرا.
خاض العرب، وفي مقدِّمتهم مصر وسوريا، عدّة حروب في أيام جمال عبد الناصر من اجل فلسطين، قبل وبعد نشوء المقاومة الفلسطينيّة، وضحّوا بعشرات الآلاف من الشهداء في سبيلها. لم يُكتب لهم النصر، بسبب دعم الغرب اللامحدود لإسرائيل بالسلاح والمال والسياسة، لكنّهم لم ييأسوا واستمرّوا يحاولون – رغم تكتُّل الأعداء وشراسة المشروع الصهيونيّ – الى أن حقّقوا نصرًا عسكريًّا في بداية حرب 1973 سرعان ما حوّله أنور السادات الى هزيمة سياسيّة واجتماعيّة ونفسيّة كبرى بعَقدِهِ اتّفاقيّة كامب دايفد التي أخرجت مصر من الصراع العربيّ الصهيونيّ واسهمت – الى حدّ كبير – في تعثُّر المشروع العربيّ الذي كان يسير في الحدود الدنيا من التضامن والتكاتف والصمود أمام اعتى تَحَدٍّ يواجه العرب في تاريخهم.
منذ ذلك الوقت بدأت القضيّة الفلسطينيّة بالتراجع والانحسار بعدما تكرّرت هزائم الدول العربيّة الواحدة تلوَ الأخرى أمام استهداف أميركا وإسرائيل والغرب الاستعماريّ؛ اثرَ إخراج مصر من دائرة الصراع ممّا أحدث فجوة هائلة في جدار الأمن القوميّ العربيّ كانت نتيجته تلك الحروب التي شهدناها، في السنوات الأخيرة، في العراق وليبيا واليمن وسوريا، وتلك الزعزعة للأمن الداخليّ في كل الاقطار العربيّة بشكل أو بآخر.
هذه الانهيارات الامنيّة التي جابت الأرض العربيّة من أقصاها إلى أقصاها، على مدى 40 سنة بعد “كامب دايفد”، انعكست على الاقتصاد والتنمية والعمل فأفقرت الناس واجبرتهم على حصر تفكيرهم واهتماماتهم في كيفيّة تحصيل لقمة العيش، لهم ولذويهم، ممّا جعل كل القضايا الأخرى، في دائرة حياتهم، تنحسر وتضمر وتتلاشى.
هنا، كانت القضيّة الجوهريّة والاساس ، قضيّة فلسطين، المتضرِّر الاوّل – بخاصّة وانّ معظم الحكّام ساروا في ركب الاعتراف بالعدو الصهيونيّ والتطبيع مع اسرائيل دون النظر الى الانعكاسات السلبيّة الكارثيّة على فلسطين وشعبها وقضيّتها.
نحن الآن، بعد عشرات السنين على اغتصاب فلسطين وعشرات الآلاف من الشهداء ، أمام شعب فلسطينيّ يواجه المشروع الصهيونيّ، وحيدًا، دون مؤازرة الشعوب العربيّة الأخرى- ولو بمظاهرة واحدة – ناهيك عن تامر الحكّام وتخاذلهم وتهافتهم على الاعتراف والتطبيع.
يقول هرتزل ، مؤسِّس الحركة الصهيونيّة، ما معناه: تقوم اسرائيل عندما يصبح العربيّ يفكِّر ، فقط ، بالزواج والمعيشة وبناء المنزل.. ويقول بن غوريون، احد رؤساء وزراء اسرائيل: “قوّتنا ليست في سلاحنا النووي بل في تدمير وتفتيت ثلاث دول كبرى حولنا، العراق سوريا ومصر، إلى دويلات متناحرة على أسس دينيّة وطائفيّة.. ونجاحنا لا يعتمد على ذكائنا بقدر ما يعتمد على غباء الطرف الآخر”. أمّا المنطق الصارخ فيقول: تزول اسرائيل عند أدنى شكل من أشكال الوحدة العربيّة…
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى