قدرة صمود إيران أعلى من الولايات المتحدة!
“المدارنت”
“سيحدث هذا، بطريقة ما، سواء سهلة أو صعبة، ولكنه سيحدث”، هكذا حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الأحد الماضي، ويقصد فتح مضيق هرمز بالكامل، ولا يقصد وقف اتفاق نووي أو تقييداً لبرنامج الصواريخ أو قطع العلاقات بين إيران وحلفائها. ما هي هذه “الطريقة الصعبة”؟ يحرص هذه المرة على عدم الوعد بـ “تدمير حضارة إيران”، ولا يتحدث (حتى الآن) عن استئناف الحرب وغزو جزيرة خرج، لكنه ما زال يهدد بقصف البنى التحتية من كهرباء وجسور في كل أرجاء إيران.
حتى كتابة هذه السطور، لا يعرف إلا شيء واحد؛ أن ترامب يعتزم إرسال مبعوثيه جاريد كوشنر وستيف ويتكوف ونائبه جي دي فانس إلى إسلام آباد. ولكن ليس هناك ما يضمن وجود النظراء الإيرانيين في الفندق الذين لم يعلنوا رسمياً عن نيتهم الحضور حتى الآن. بالنسبة للقيادة الإيرانية، يعتبر الحصار البحري الأمريكي لإيران واحتجاز سفينة الحاويات الإيرانية التي حاولت عبور المضيق انتهاكاً لوقف إطلاق النار، الذي “سترد عليه إيران قريباً وستنتقم من عملية القرصنة التي نفذها الجيش الأمريكي”، هذا حسب بيان لمكتب التنسيق العسكري الأعلى الإيراني “خاتم الأنبياء”.
ورغم التهديدات المتبادلة، ما زالت واشنطن ترى في القناة الديبلوماسية الطريقة الوحيدة التي من المرجح أن تثمر نتائج، لا سيما أن التحركات العسكرية والقصف الكثيف وإزاحة القيادة الإيرانية “القديمة” لم تحقق التحول المأمول. لم ينهر النظام في إيران، ولم تتغير مواقفه الأساسية بشأن القضايا النووية والصاروخية، ويبدو أن سيطرته على مضيق هرمز قد أعطته ورقة ضغط قوية حولت الصراع من مستوى ثنائي إلى تهديد شامل للاقتصاد العالمي.
مع ذلك، تحتاج طهران أيضاً إلى حل ديبلوماسي. فالموقف الحازم والتهديد الإقليمي يعتبران إنجازات مهمة، ولكن في ظل غياب الاتفاق الذي يرفع العقوبات فإنها تعادل مؤقت، في حين يتعين على إيران الآن كسب وقت “بقاء” مؤلم.
لقد فتح قرار ترامب العودة إلى سياسة “الضغط الأقصى” على إيران عبر فرض الحصار البحري على تسويق النفط الإيراني، مسار جديد للمواجهة، قد لا يحدد فيه القرار العسكري نتائجه، بل سيمتحن قدرة كل طرف على الاستيعاب. يفترض الأمريكيون أن توقف تسويق النفط الإيراني بالكامل الذي يمثل 35 – 45 في المئة من المداخيل وامتلاء مواقع تخزين النفط المنتج، ما سيجبر إيران على إغلاق آبار النفط، سيجبر إيران على إعادة النظر في أولوياتها.
مع ذلك، قد يتحول الأمر -من حيث القدرة على الاحتواء- إلى منافسة غير متكافئة تثبت فيها الولايات المتحدة أنها الطرف الأضعف. فقد حولت العقوبات التي عانت منها إيران لسنوات إلى دولة تستطيع التكيف، ونجحت في ترجمة مصطلح “اقتصاد المقاومة” الذي صاغه علي خامنئي، إلى نمط حياة مكنها من البقاء، بل والتطور أيضاً. فقد وسعت إيران صناعتها المحلية ونوعتها وزادت مداخيلها وعززت نظام التعليم والصحة وحافظت على شرعية النظام وكأنه الوحيد القادر على رعاية مواطنيه.
أنشأت الوزارات الحكومية والحرس الثوري ومؤسسات الرفاه شبه الحكومية (البونياد) – التي يقدر نصيبها بـ 20 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي – والشركات الخاصة، وأنشأت شبكات توريد وتسويق مستقلة، متجاوزة بذلك العقوبات الفعلية. وحسب تقارير لشركات كبيرة في بورصة إيران، معظم هذه الشركات ما زالت تحتفظ بمخزونات ضخمة تكفيها لثلاثة أشهر على الأقل. وحتى مع إغلاق الخليج، تستطيع إيران استيراد وتصدير المنتجات غير النفطية إلى روسيا وتركيا وأفغانستان وباكستان براً. وقد توقعت ميزانية الدولة، التي قدمت في نهاية السنة الماضية قبل الحرب، خفضاً حقيقياً يبلغ 45 في المئة، واعتمدت على زيادة كبيرة في إيرادات الضرائب.
يصعب تخيل كيف سيتمكن النظام من تحقيق هذه التوقعات نظراً لخسارة الإيرادات الناتجة عن إغلاق المصانع وانخفاض الانفاق الاستهلاكي، ولكن إيران شهدت أزمات مشابهة من قبل، حيث مولت جزءاً من نفقاتها بواسطة صندوق الطوارئ الذي أودعت فيه فائض أرباح عائدات النفط، وطبعت كمية كبيرة من العملة “الجديدة”، ما ساهم على الأقل في إظهار صورة دولة عاملة.
يمكن القول إن الأزمة الاقتصادية الشديدة التي ضربت البلاد في 2012، خلال فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد، هي التي دفعتها في نهاية المطاف إلى التوقيع على الاتفاق النووي. في ذلك الحين، بلغ التضخم 27 في المئة (مقارنة مع 19 في المئة في العام 2005 و45 في المئة الآن)، وارتفعت نسبة البطالة بشكل حاد، وبلغ إنتاج النفط 1.1 مليون برميل في اليوم (مقارنة مع 1.5 – 1.8 برميل في اليوم)، وخسر الريال 40 في المئة من قيمته، وانكمش الناتج المحلي الإجمالي بـ 2 في المئة تقريباً. مع ذلك، لم تتسرع إيران في التوقيع على الاتفاق النووي. وقد امتدت المفاوضات لسنتين، منذ انتخاب حسن روحاني رئيساً في 2013 وحتى التوقيع على الاتفاق النووي في 2015.
ليس معروفاً حجم الأموال التي توجد في صندوق الطوارئ، الذي ضخ عشرات مليارات الدولارات في السنوات الأخيرة، ولكن من غير المستبعد احتمالية أن تقرر الصين تقديم المساعدة لإيران وإيداع الأموال مباشرة في بنوك إيرانية أو في حسابات تستخدم لتمويل مشترياتها النفطية. خلافاً للدول الغربية، لا يجد النظام الإيراني صعوبة في تطبيق آلية لخفض النفقات وترشيد الموارد، بما في ذلك إطالة مدة انقطاع الكهرباء وتنظيم، بل وإغلاق، المواقع التي تعتبر مهدرة للطاقة، وفرض رسوم “طارئة” وتقليص خطوط المواصلات العامة أو إلغاؤها وتجميد خدمات أخرى بهدف خفض التكاليف.
يقدر احتياطي النفط الإيراني، في المواقع والناقلات خارج البلاد بنحو 170 مليون برميل، منها عشرات ملايين البراميل خارج الخليج. وحتى الآن، اضطرت دول الخليج تحديداً إلى تقليص إنتاج النفط مع غياب بدائل لنقل النفط –مثل خط الأنابيب الذي يربط شرق السعودية بميناء ينبع، أو خط الأنابيب الذي يربط كركوك في العراق بميناء جيهان في تركيا- كافية لاستيعاب الإنتاج كل.
في سباق على “قدرة الاستيعاب”، تقدر إيران بأن صعوبات ترامب أكبر بكثير. فإلى جانب القضية الاقتصادية، يواجه الرئيس الأمريكي معارضة شعبية وسياسية ستختبر في انتخابات نصف الولاية بعد خمسة أشهر تقريباً، وهو يتعرض لضغط من الكونغرس ومن حزبه، كما أن الرأي العام في أمريكا يعارض استئناف الحرب وبشدة، وحالياً لا يوجد أي تحالف دولي أو عربي مستعد للانضمام إلى الحملة ضد إيران. أما النظام الإيراني فهو في منأى عن كل ذلك، حيث يعزز شرعيته من خلال تصوير الحرب والحصار والضرر الذي لحق باقتصاد البلاد بأنها نضال وطني، ليس دينياً أو ثورياً، بل من أجل بقاء الدولة.
الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت في كانون الأول الماضي واجتاحت معظم أرجاء البلاد كانت نتيجة الوضع الاقتصادي الصعب، وقد قوضت بشكل جذري ليس فقط شرعية النظام، بل أيضاً فكرة الثورة الإسلامية نفسها. الثورة نفسها التي تعهدت في 1979 بتحسين الوضع الاقتصادي للشعب وكل “الشعوب المضطهدة” وتقاسم الموارد مع الشعب والتحرر مما وصف بـ“السيطرة الأجنبية” على اقتصاد إيران وثقافتها وسياستها، وجدت نفسها من جديد في مواجهة، ربما تكون الأخطر، مع الشعب.
محاولة النظام تهدئة الاحتجاجات بالطرق المعتادة، مثل زيادة رواتب موظفي الخدمة المدنية و”تبني” طلبات المحتجين ووصفها بأنها “مبررة” وإظهار الاستعداد الظاهري للحوار معهم، استقبلت بعدم ثقة وبتصاعد في حدة الاحتجاجات. وقد مثلت المذبحة الجماعية، التي قتل فيها تقريباً 5 – 30 ألف شخص، القطيعة النهائية بين الشعب والنظام. لقد تلاشى الحشد الوطني والتضامن العابر للحركات، الذي ميز رد فعل الشعب بعد حرب الـ 12 يوماً في حزيران الماضي.
مع ذلك، يبدو أن توقع تجدد الاحتجاجات أمر غير واقعي، ليس فقط بسبب إجراءات القمع الوحشية التي يتبعها النظام وسيطرة قوة الباسيج على الشوارع وغياب قيادة متفق عليها ومخولة بقيادة الاحتجاجات ومن ثم الثورة المضادة.
عندما يهدد ترامب بـ“تدمير الحضارة”، فإنه لا ينظر إلى التهديد على أنه موجه للنظام ومؤسساته فقط، بل للحضارة الفارسية والأمة الإيرانية بشكل عام. هو يذكرنا بالطريقة التي نظر فيها الرئيس بوش للحرب في العراق، التي وصفها، حسب وثائق نشرت في السنة الماضية، بأنها “حملة صليبية تشنها الأمة التي اختارها الله ضد الظالمين”. وحتى أشد المعارضين للنظام لا يمكنهم الانضمام لمثل هذه الحرب.
في العام 1951 عقب قرار رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق، تأميم النفط في إيران، فرضت بريطانيا وأمريكا عقوبات شديدة على إيران، شملت الحصار البحري الكامل وإخراج كل المهندسين والفنيين الأجانب من البلاد، ما أدى إلى إغلاق منشآت النفط وحظر استيراد وتصدير السلع الأساسية وتجميد الودائع في البنوك البريطانية وقرارات قمعية أخرى، التي بلغت ذروتها في الإطاحة بنظامه في 1953 بواسطة انقلاب دبرته المخابرات البريطانية والأمريكية. مصدق اليساري، الذي لو كان على قيد الحياة أثناء الثورة الإسلامية وكان من شبه المؤكد طرده من البلاد أو إعدامه، كان بالنسبة لعلي خامنئي الدليل الوطني على خداع الغرب وخيانته.
لقد حققت إيران في رأيها توازناً بين الإرهاب والردع العسكري عندما جعلت دول الخليج هدفاً لهجماتها وأغلقت مضيق هرمز. وهي الآن توازن بين “القدرة على الصمود” وقدرة الولايات المتحدة بشكل عام وترامب بشكل خاص. وحسب رأيها، تكون بهذا قد حققت التوازن بين القوة والتهديد. وربما يرتكز الحل الدبلوماسي الذي سيبنى على نفس المفهوم القائم على التكافؤ في التنازلات، على هذه البنية التحتية التي تمكن النظام من إظهار صورة النصر في مواجهة “الغطرسة الأمريكية”.



