مقالات

قـصــة شــعــــب اســمــه الــرمـــزي يـاســر عـرفـــات!

الكاتب العربي الراحل محمد خليفة/ سوريا

المدارنت”..
… في الحادي عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2004، رحل عن الدنيا مواطن فلسطيني يدعى محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني (أبو عمار رحمه الله)، تاركا ظلّه الفضي الكبير يفترش خريطة وطنه المسروق, مخلفاً أثراً نابضًا منه في قلوب أبناء شعبه, وسيرة خالدة في وعي العرب, وبقعة ضوء متوهجة في ذاكرة العالم التي تتصف بسرعة النسيان.
ولد هذا الفلسطيني في القاهرة في 24 آب/ أغسطس عام 1929، لأب غزّاوي وأمّ مقدسيّة, عاش طفولة معذبة، تنقل بين القاهرة والقدس, ثم درس الهندسة في جامعة القاهرة، وبدأ حياته السياسية في نكبة 1948، حين تطوّع للقتال دفاعا عن بلده لكي لا يستولي عليه الصهاينة.
انهزمت جيوش العرب الخمسة، أمام اليهود المدعومين من الانجليز وأوروبا, ولكن الشاب الفلسطيني المذكور لم يدع النضال بعدها أبدا مثله كمثل غالبية أبناء جيله, بل عاد الى القاهرة بوعي جديد, كما عاد (الزعيم العربي الراحل المرحوم) جمال عبد الناصر، المصري وفوزي القاوقجي السوري – اللبناني – العراقي. وبعد تجارب ومحاولات متعددة إستقر مع ثلة من رفاقه على تأسيس حركة سياسية باسم فتح التي تعني حروفها المعكوسة حركة التحرر الوطني الفلسطيني, ورسموا معا أول استراتيجية سياسية واقعية لتحرير فلسطين تقوم على مبدئين: أولهما استعادة زمام القضية من الأنظمة ووصاية “الجامعة” العربية إلى أيدي أهلها الشرعيين ممثلي الشعب المطرود من وطنه ومالك الأرض المغتصبة, وثانيهما اعتماد الكفاح المسلح نهجا رئيسيّا بدلًا من انتظار المبادرات السياسية العربية والدولية العقيمة. وكلا الأمرين أحالا الى اصطدام دموي عنيف لا مع العدو “الاسرائيلي” (الإرهابي الصهيوني) فقط بل مع الأعداء – الأشقاء ايضا! واحدا بعد آخر!
في أول يوم من عام 1965، أطلق فدائيّو فتح الرصاصة الأولى على “اسرائيل” (كيان الإرهاب الصهيبوني), وبدأوا فصلا جديدا من الكفاح لم يتوقف حتى اللحظة. ومن يومها حمل الفلسطيني صاحب الاسم الطويل محمد عبد الرحمن عبد الرؤوف القدوة الحسيني، اسما جديدا مختصرا، هو ياسر عرفات، وكنية أكثر اختصارا هي أبو عمار. برز بداية بصفته الناطق الرسمي باسم “حركة فتح” وكتائبها المقاتلة “قوات العاصفة”، وخلال ثلاث سنوات فقط، أشعلت تلك الرصاصة حريقا كبيرا في الشرق الاوسط بين فلسطين ومنابع النفط في الخليج, وأصبحت تعرف باسم “المقاومة” أو “الثورة الفلسطينية”، وأصبحت توصف كما أطلق عليها جمال عبد الناصر: أنبل ظاهرة أفرزتها الأمة العربية بعد نكسة 1967.
في السنوات التالية، توالدت المنظمات التي تبنت العقيدة التي صاغتها “فتح” وتكاثرت, يمثل كل منها خطا “ايديولوجيّا” أو نظاما عربيا من اليمين الى اليسار, ولكن “فتح” احتفظت دائما بالريادة والقيادة، بحكم وسطيتها ووطنيتها المستقلة, واحتفظ ابو عمار برئاسة “منظمة التحرير” بلا منافس، فجمع القادة الآخرين تحت جناحية مع أن بينهم من يتمتع بمكانة كبيرة كالمناضل الكبير جورج حبش أو الشيخ أحمد ياسين, إضافة لقادة كبار برزوا من داخل “فتح” كخليل الوزير, وصلاح خلف, وهاني الحسن, وكمال عدوان (رحمهم الله).. إلخ, ومع الوقت اصبح الزعيم الأول لدى جماهير فلسطين بلا منازع وأطلقت عليه القاب وصفات عديدة تترجم مكانته أهمها أنه الختيار أو أبو الشعب الفلسطيني.
ورغم تعدد التحليلات التي تتناول عناصر قوة ابو عمار، ومكمن زعامته الكاريزمية بين شعبه فإن العامل الموضوعي الراجح هو أنها جاءت من قدرته الفائقة على تجسيد الشخصية الفلسطينية، وبعث الهوية الوطنية في زمن اتّسم بذوبان هذه الهوية في حراك القومية العربية, ونجاحه ببلورة حلم التحرير والاستقلال وعودة اللاجئين الى أرض الوطن من الشتات والتيه بين جنبات العالم العربي الذي لم تحسن أنظمته التعامل معهم، ولا حفظ حقوقهم ولا الوفاء بالعهود التي قطعوها لهم, بل تاجروا بها لتخدير جماهيرهم وقمعهم باسمها وبمبرراتها, وجعلوا منها وقودا لديكتاتورياتهم المتناسلة.
استطاع عرفات، بحنكته المحافظة على حرارة قضيته عربيا وتطويرها دوليا، وسط عواصف وتموجات الساحتين العربية والدولية, ووسط وتيارات المجتمع الفلسطيني المتضاربة, حتى غدا نقطة توازن يصعب الاستغناء عنها في كل المراحل والظروف على المستويات الوطنية والقومية والدولية, سيما وأنه تميز ببراغماتية جريئة حققت المزاوجة بين البندقية والسياسة, والانتقال من الكفاح الثوري إلى الكفاح السياسي والديبلوماسي, ولكنه لم يتخلّ حتى الرمق الأخير عن خيار البندقية، ورفض أن يخلع بدلته العسكرية, وخطط عام 2002 لانتفاضة ثالثة بقيادة جيل جديد من رجال “فتح” في الداخل، ورفض نزع الشرعية عن أيّ عمل فدائي من “حماس” و”الجهاد (الإسلامي)”و”الجبهة الشعبية”، رافضا وصفه بالارهاب, ولم يفرط رغم تنازلاته الكثيرة التي يأخذها عليه خصومه بالحقوق الثابتة والجوهرية.

الراحلان عبد الناصر وعرفات

ومن أهم مظاهر عبقرية عرفات، قدرته على التوليف بين المتناقضات مدركا أهم خصائص القضية الفلسطينية الروحية والقومية والعالمية في كافة الدوائر، فاستثمرها إلى أقصى حد وجعل الثورة الفلسطينية رغم امكاناتها القليلة “صاعق تفجير”، أو ظهيرا لكل الثورات العربية ورافعة لقوى المعارضة الشيوعية والاسلامية والعروبية والثورية والليبرالية, وجمع في توليفته بين العرب والكورد والسريان والامازيغ, وبين السنة والشيعة والدروز والمسيحيين والاقباط.. بل واليهود! وجمع بين العرب والافارقة والإيرانيين والأتراك والاوروبيين. وكان يستقبل كزعيم كبير في الهند والصين واليونان وفرنسا والسويد ونيكاراغوا! وسيسجل التاريخ له أنه أول من تنبّه لأهمية تركيا في جغرافيا الشرق الأوسط السياسية، وبذل جهودًا خلاقة لتطوير اهتمام شعبها وأحزابها بنضاله حين كان العرب يقاطعونها!.
كان يؤمن بالحضور الفيزيائي الشخصي، فكان يضع كوفيته ويتأبط ملف قضيته ويسافر بطائرته الخاصة شرقا وغربا، ليفتح أبوابا موصدة ويكسب حلفاء جددا, وكان يعوّض خسارته هنا بمكسب هناك, وعندما خرج من الاردن مهزوما عام 1970، عوض خسارته في لبنان, وعندما اضطر للانسحاب من لبنان، أعاد ترتيب اوراق قوته اعتمادا على حركته النشطة وتحالفاته، وحوّل تونس، التي عزلت نفسها عن القضية تاريخيا الى دولة مواجهة، وزجّ بها في قلب القضية. وفي صراعاته مع الأنظمة العربية، تميز بادراكه لأهمية الدور المصري فحافظ على علاقته بالسادات سرًا رغم كامب ديفيد, وتميز بإدراكه أيضا لتحالف نظام الأسد مع “إسرائيل” وخواء شعاراته المقاومة, وكان أول من واجهه وحاربه في لبنان ودعم المعارضة السورية بكل فصائلها.
كان عرفات شخصا رؤيويا ذا بصيرة ويؤمن بالقدر, وكان عبقريا في التكتيك, ولكنه ظل قاصرا في الاستراتيجيا السياسية, وكانت هذه نقطة ضعفه الكبرى التي أوقعته في شراك العدو وقادته الى أوسلو, بعد أن أسقطه تحالفه مع (الرئيس العراقي الراحل) صدام حسين، في فخّ أعمق، وأفقده غطاءه العربي وجعله مكشوفا, فاضطر للبحث عن عوامل قوة بديلة عبر التفاوض مع “اسرائيل”، ثم الرهان على الأميركيين، فلم يكسب سوى نجاحه في دخول البيت الأبيض، الذي ظل يصنفه لعشرات السنين ارهابيًا دوليًا خطيرا!
عشر سنوات على غياب طائر الفينيق المعاصر، ولم تكشف بعد تفاصيل لغز جريمة اغتياله بواسطة الموساد, والكرة في مرمى خلفائه في رام الله، الذين قصّروا كثيرًا بحقه, وبخاصة “حركة فتح”، والنخبة الفلسطينية اللتين قصّرتا في تشكيل هيئة علمية محايدة فلسطينية – عربية لتوثيق تجربة ياسر عرفات، لتكون موسوعة تاريخية للنضال الفلسطيني المعاصر ضد عدو هو الأقوى في التاريخ العالمي الحديث، والأكثر نفوذا وجبروتا بفضل توفر الدعم اللامحدود من الغرب, ومع ذلك استطاع عرفات، ومعه “فتح” وبقية الحركات الثورية، اجباره هو وحلفاءه على الاعتراف بشرعية نضالهم، وانتزعوا منهم عمليا حقّ العودة الى جزء من ارض فلسطين عام 1994، ليواصلوا النضال من داخلها.
ياسر عرفات، هو الاسم الرمزي للشعب الفلسطيني في حقبة الانبعاث، وملحمة الكفاح المسلح، وهو عنوان فلسطين المحررة مهما تأخر موعد التحرير.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى