مقالات

المعياريّة..

ناجي سعيد/ لبنان

خاص “المدارنت”..

دفعتني مهارة الرسم التي امتلكتها منذ طفولتي، الى اختيار “الرسم والتصوير” اختصاصًا جامعيًّا أتابعه. ولم يكن نضجي كافٍ بالطبع لأتناول موضوعًا أُثيرهُ الآن.

والموضوع المقصود، هو مُصطلحٌ سمعته في ندوة مسرحية وقت دراستي الجامعية وهو: “اللغة المِعْياريّة”.

وفي تلك الحقبة (حقبة الثمانينيّات والتسعينيّات) كانت تتميّز باحترام الموضوعيّة، والمدخل العملي لمفهوم الموضوعيّة في عالم التواصل اللاعنفي هو الفصل بين المشاعر والأفكار. ولتفسير ما أقصد، فقد كانت المواقف السياسية مثلاً حين تُعلن، لا يستخدم مُعلنُها مشاعرَه، فلا دخل لقلبِه/ها وشخصه/ها بالموضوع، حتّى لو كان الموقف صادر من خصوم في السياسة، فلا يصدر من ردّهم أي كلام تحقيري للشخص المُعترضين على رأيه.

فاللغة المعياريّة تلائم مقولة: لكلّ مقامٍ مقال. ولو أمعنّا في تفسير هذه المقولة: لكلّ مقام مقال، ومن دون معرفة الحدث الذي أدّى إلى قولها. ولكنّ، المنحى اللغوي يُفضي بنا إلى التوضيح التالي (وقد اخترت من المعاني المُعجميّة الكثيرة ما يناسب مقالتي):

.. فمصطلح “مقام” يعود بالاشتقاق اللغوي إلى: استقامَ يستقيم، اسْتَقِمْ، استقامةً، فهو مُسْتَقِيمم.

• استقام العُودُ: استوى “استقام الطريقُ- {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}”| استقام ميزانُ النَّهار: انتصف.

• استقام الإنسانُ: اعتدل في سلوكه وكانت أخلاقُه فاضلة “{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} – {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا}: امضيا واستمرّا”| استقام على الطَّريق: اهتدى.

• استقام الشِّعرُ: اتَّزنَ. ومع شبه اليقين بأن غالبيّة القرّاء لا يعنيهم/هنّ ما أوردته هنا. لكنّ السياق اللغوي يخدم الموضوع المُراد الغوص فيه. فالمقولة المعروفة:

“قلّ لي ماذا تقرأ، أقلّ لك من انت”، لا تدخل في علم التنجيم ومعرفة الغيب. حيث يمكن معرفة أي شخص من خلال ما يقرأ. وللتحديد أكثر، فنوعيّة ما يقرأ المرء، تسهم أكثر في رسم شخصيّته. واعتقد أن هذا التقديم كافٍ لقراءة محتوى الأحزاب السياسيّة في لبنان. مع التحفّظ الشديد على “السياسيّة” التي تُذكر فورًا بعد كلمة “أحزاب”.

فالسياسة هي إدارة شؤون الناس، لكنّ لبنانَنا الجميل، وضع مصطلح “سياسة” أمام بابين: فإما تدخل من باب الاصطفاف الطائفي الفئوي وتغرق في عالم الفساد القِيمي الذي يدمّر الوطن الواحد. وأما تدخل من باب عامة الناس اللامباليين الذين يتعوّذون بالله عندما يسمعون كلمة “سياسة”.

ولن أذهب بتفصيل كلّ الأحزاب وانحطاط معياريّة خطابهم السياسي وأداء “واجبهم المناطقي”، هذا في حال تخطّوا حدود جغرافيّة الطائفة الواحدة.

وفي العودة للسياق المقصود في الكتابة الآن، فليس جديدًا على ساحة التصريحات السياسيّة اللبنانيّة الخطاب المبتذل، سواء كان تبادليًّا أم من طرف واحد. وفي البداية، لا بدّ من ذكر أيديولوجيا حزب الله المُقاوم التي احتكرت مفهوم المقاومة الوطني، ووضعته في قالب طائفي استقطب الناس في الصندوق الخدماتي لضمان ولائه لهم. فلا أحد يعلم أي قوى خارجيّة دفعت لاحتكار فعل المقاومة الشريف الوطني وقولبه ليصبح فعل مقاوم “طائفي” ضدّ عدوّ الوطن.

فهل كانت سناء محيدلي قبل عمليتها الاستشهاديّة قد انتسبت لحزب طائفي.. قومي سوري؟ أم رفع جمال ساطي قبل أن ينفّذ عمليته المشهورة على “الدابّة” بتفجير مقرّ الحاكم العسكري الإسرائيلي في حاصبيّا طلب انتسابه لحزب الله؟ فاللغة المِعياريّة التي أذكرها، تتضمّم مصداقيّة تأريخ العمل المقاوم. فبدراسة دوليّة تاريخيّة قرأتها ذات مرّة، صرّحت عن أن المقاومة اللبنانية للاحتلال الإسرائيلي، هي الأعنف بالتاريخ.

فالحزب السوري القومي الاجتماعي، أطلق أول عمليّة حين أطلق البطل القومي خالد علوان الرصاص على رقبة الضابط الإسرائيلي، الذي كان يحتسي القهوة في مقهى الويميبي بشارع الحمرا، وكانت هذه العمليّة هي بداية لرفض الاحتلال الإسرائيلي لأولّ عاصمة عربيّة، من خلال جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة، التي شارك في تأسيسها: الحزب الشيوعي اللبناني، ومنظّمة العمل الشيوعي، والحزب السوري القومي الاجتماعي، والحزب التقدّمي الاشتراكي.. الأحزاب التي رفضت إحتلالاً وعكست إرادة شعب لبناني أصيل. ويأتي رئيس جمهوريّة لبناني عن طريق مساومة بين مقاومة طائفيّة “دخيلة”، صادرت مقاومة أصيلة، وحزب حديث النشأة خالٍ من تاريخ مُقاوم، ليتمنّى ضاربًا بعرض الخائط “اللغة المعياريّة” لرئيس جمهوريّة (والمفروض أن يعكس إرادة الشعب):

“يا ريت ورثت بستان جدّي ولا عملت رئيس جمهوريّة”.

سيّدي الرئيس: اذهب وازرع بستان جدّك، علّه يُنبت زهرًا مقاومًا لاختلال غاشم!!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى