مقالات

لبنانُ.. والفسادُ المُتَأصِّلِ في الحاكِمِ والمَحكوم..!

أحمد ذبيان/ لبنان
أحمد ذبيان/ لبنان

خاص “المدارنت”..


عندما أرسل محمد علي باشا ابنه إبراهيم باشا، بالاتِّفاق مع الفرنسيّين، على رأس جيش مصريّ الى بلاد الشام، التي يشكِّل لبنان جزءًا منها، كان من بين الأهداف الست لتلك الحملة “ألقضاء على الفساد والمحسوبيّة في ذلك الإقليم”.

كان ذلك عام 1830، أي منذ حوالي المئتي سنة تقريبًا، عندما كانت الدولة العثمانيّة تسيطر على بلاد الشام، حيث قام الجيش المصريّ بهزيمة الجيش العثمانيّ في عدة معرك متتالية، الى ان سحقه بشكل نهائيّ في معركة “نسيب”، ممّا دفع بريطانيا والنمسا والدول الأوروبيّة الى التدخُّل، واجباره على توقيع معاهدة كوتاهية والانسحاب الى بلاد الشام.

إذن، لبنان غارق في الفساد والمحسوبيّة منذ مئات السنين، ممّا دعا الدول الأخرى، ولو ظاهريًّا، او لإيجاد سبب للتدخُّل، الى محاولة تخليصه من هذه الآفة التي تحوّلت الى مرض عضال – ان لم نقل نمط حياة.

بالتأكيد، كانت الدول تتحدّث عن فساد الطبقة السياسة الحاكمة في ذلك العصر، باعتبار انّ عموم المواطنين، وبسبب الفقر، لا يملكون الحدّ الأدنى من المال الذي يجعلهم يتفاسدون.

على أيّ حال، ومن دون تفاصيل، فإنّ الفساد مستشرٍ في لبنان، وإنّ التدخُّل، من قِبَل القوى الشقيقة او الاقليميّة او العالميّة، مُتكَرِّر، حيث تدعو الحاجة، في كلّ عصر وأوان.

امّا موضوعنا، اليوم، فهو هذه الحقبة الممتدّة من 1990 الى الآن، والتي شهدت أسوأ طبقة حاكمة في تاريخ البلاد – وأفسدها على الإطلاق. هذه الطبقة التي انتجتها ظروف الحرب الأهليّة، التي امتدت من 1975 الى 1990، والتي أتت على كلّ مقوِّمات البلاد الماليّة والمؤسَّسِيّة والبشريّة، وحتّى النفسِيّة.

بالتأكيد، لا يمكن أن يكون الذي حصل من نهب وهدر للمال العام وافقار للناس، جميعًا، هو نتيجة سوء ادارة وانتشار للفساد والافساد، فقط، وانّما نتيجة خطط مُمَنهجة ومُبَرمجة من كيفيّة النهب والهدر والسياسات الفاسدة، لتدمير البلاد، وتشريد العباد بطريقة أخرى، غير طريقة الحروب العسكريّة والأمنيّة؛ لأنّ من يصل إلى المواقع العليا في السلطة، لا يمكن أن يكون على درجة عالية من الغباء، بخاصّة وانّ سبل العلم والمعرفة تغطّي مساحة هذا العصر كلِّه، وانّ المستشارين اللبنانيّين، في كلّ المجالات، يملأون البلاد طولًا وعرضًا، وتشهد لهم ساحات العالم المتقدِّم في كلّ موقع ومكان. ثمّ، مع انّ الفساد يخرِّب على نطاق واسع، لا يمكن لطبقة سياسيّة أن تستطيع احداث هذا الخراب المهول الذي اصاب لبنان، الّا عن سابق تخطيط وتصميم وإصرار.

هذا اتّهام خطير لطبقة سياسيّة، عاثت فسادًا وطغيانًا واستغلالًا للسلطة، لم يسبق له مثيل في تاريخ البلاد – ولا في أيّ بلاد أخرى – حيث كانت تدرك انّ خططها الاقتصاديّة والماليّة، كانت تأخذ البلاد نحو الانهيار والخراب! لكن هل هذه الطبقة مسؤولة وحدها عن كلّ ما حصل؟ بالتأكيد لا، لأنّ هناك شرائح عديدة، من الأزلام والانتهازيّين والاداريّين الفاسدين، والتجّار الجشعين والموالين والمعارضين، والناس غير المكترثين لما تؤوول اليه حال الوطن والمواطن، كانت وما تزال تسابق الريح في الفساد والافساد والنهب والرشى، وكلّ اساليب النصب والتحايل والكسب غير المشروع.

خلاصة الحكاية، هي انّ لبنان، تمّ تخريبه على مرأى من عيوننا جميعًا، وبأيدي حكّامه ومسؤوليه ومواطنيه الذين ما يزالوا يوهمون الناس، بأنّهم المخلِّصون الحقيقيّون والابطال الذين خلقهم الله ثمّ كسَرَ القالب!

… والآن، الجميع يقف مُتَسَمِّرًا ومذهولًا أمام كارثة مترامية الأطراف، تجوب البلاد طولًا وعرضًا، لا يعرف احد مدى انعكاساتها الخطيرة على حاضر ومستقبل البلاد والعباد.

لكن، هل يقف المواطنون العاديّون مكتوفي الأيدي، أمام هذا الواقع المُزري المصحوب بجشع التجّار، وانتشار طبقات الطُفيليّين، وتفشّي الفقر والعَوَز في شرائح واسعة من المجتمعات؟! من يراهن على التدخُّلات الخارجيّة، كالمُستجير من الرمضاء بالنارِ – لانّ الخارج سيُنَصِّب نفس الطبقة السياسيّة بوجوه مختلفة.

إنّ هذه ساعة للتضامن والتعاضد والتكافل الاجتماعيّ، ومدّ الأيدي، للتعاون بين الناس وتأمين الحدّ الأدنى من مُقوِّمات الصمود، بالتنسيق الكامل مع المغتربين، الذين هم صمّام الأمان الوحيد والقادر والمضمون المُؤهَّب دائمًا للعون والمساعدة، حتّى يقضِيَ اللهُ أمرًا كان مفعولا..

لم يعُد أمام المواطنين اللبنانيّين، في هذه الفترة العجيبة من تاريخهم، غير السعي الى العودة لاستصلاح الأرض والعمل لإنتاج المحاصيل الكافية لسدّ الرمَق، والسعي الى إنشاء جمعيّات على مستوى الاقضية والبلدات، وربطها بجمعيّات في بلاد الاغتراب، من اجل ترشيد الدعم الذي يقدِّمه أبناء لبنان، المنتشرين في كل أنحاء المعمورة، والذي يُقدَّر بحوالي العشرة مليارات من الدولارات، وتفعيله وتنويع الإفادة منه على اوسع نطاق لكي لا يكون، فقط، مجرّدَ تقديمات لا تتعدّى التبرُّع والإحسان، ليُصبح واجبًا أخلاقيًّا، وخطّةً فاعلة وفعّآلة من أجل الصمود والنهوض.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى