مقالات

لبنان والثورة والنُخَب الفاشلة..!

أحمد ذبيان/ لبنان
خاص “المدارنت”..
يتمايز سكّان لبنان، تاريخيًّا، بالتنوُّع الاجتماعيّ والثقافيّ، نظرًا لطبيعة المكان، ولكونه ملجأً لكل المهاجرين والمهجَّرين، والفارّين من ظلم الحكّام والمجتمعات في المنطقة العربيّة، ونظرًا للغزوات والاحتلالات الكثيرة التي مرّت على الأرض، وتركت بصماتها ومخلَّفاتها من بشر وافكار ومعالم وآثار..
أمّاالفرد، في لبنان، فيَمتاز بالذكاء والفطنة، وعشق المغامرة، والتكَيُّف السريع مع المستجدّات والمُتَغيِّرأت وما تتطلَّبُهُ مصلحتُه الخاصّة، وما يخدم تطلُّعاتِهِ وطموحاتِه – وأطماعِه.
من هنا، استمرّ لبنان، على مرّ التاريخ، في مدّ وجزر مع الجغرافيا الطبيعيّة والجغرافيا السياسيّة والمجتمعيّة، حيث كان سكّانه يسيرون في طريق الانقسام والتشرذم مع كل غزو او احتلال خارجيّ، ومع كلّ هيمنة وتسلُّط داخليّ.
لم يشهد تاريخ لبنان، حسب اطّلاعي، اجماعًا شعبيًّا عامًّا حول القضايا “الوطنيّة” العامّة، او القضايا المصيريّة التي تحدِّد المسارات الواضحة لوطن ودولة وبلاد؛ إذ طالما اختلف “اللبنانيّون”، حول القضايا الجوهريّة وحول القضايا الجانبيّة، حسب مصالح وأهواء زعماء مذاهبهم واحزابهم وعشائرهم – وكل اطار يؤدّي الى الشُلَليّة والتشرذم.
أمّا ما يحدث اليوم، ومنذ سنوات، فليس بمعزل عن سياق المسارات السائدة منذ القِدَم؛ مذاهب وأحزاب وجماعات متنافرة متناحرة، تقودها نُخَب تفتقد الى الحسّ الوطنيّ العامّ – رغم التصريحات العلنيّة المطلوبة – وتجعل من المذاهب، والأُطُر الأخرى المرتبطة بها، مطايا لتحقيق اطماعها ومصالحها الشخصيّة والماليّة والسياسيّة، لها ولأسيادها في الداخل والخارج وفي الشرق والغرب.
في مقابل الأحزاب المذهبيّة والفئويّة، والمرجعيّات المتعدِّدة الولاءات والانتماءات، نرى “أطنانًا” من النُخَب الثقافيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، على شكل أفراد وجماعات وجمعيّات، تتصدّر الحديث عن لبنان الوطن، الواحد الموحَّد، المتمثِّل بمشروع دولة عصريّة بعيدًا عن تأثير الطوائف والمذاهب والعشائر والولاءات المتعدّدة الزوايا والتوجُّهات والاتِّجاهات..
هذه النُخب، لها منصّانها المختلفة والمتنوِّعة ولها برامجها، ولها ايضًا، تطلُّعاتُها وطوحاتها واطماعها في الوصول الى السلطة بايّ ثمن وبأيّ وسيلة. هي أفراد ومجموعات اكتملت في مخيّلاتهم اوهام التغيير في بلد مؤسَّسٍ وقائمٍ على ثبات تحكُّم وتسلُّط الأُطُر المذهبيّة والفئويّة في كلّ مفاصل حياة أبنائه – من رؤوس جباله حتّى ُخمْصِ شواطئه..
هذه النخب واعية وتفهم اللعبة، تمامًا، وتحيط بحيثيّات وضع لبنان ومآلاته، وتعلم جيِّدًا أنّ التغيير في لبنان، مرتبط بعوامل عديدة لا علاقة لها بكلّ ما تفعله وتنادي به.
هذه النخب، أفرادًا وجماعات، ارتبطت بمرجعيّات داخليّة وخارجيّة – الّا مَن رحِمَ ربّي – ودأبت على تنفيذ ما يحقِّق مصالح هذه الارتباطات – وهذا ما أصبح جليًّا من خلال أحداث السنتين الماضيَتَين.
لذلك، ليس هناك في لبنان، حالة شعبيّة لها قيادة موحَّدة، تتبنّى مشروعًا وطنيًّا جامعًا يسعى الى تحقيق دولة مدنيّة عصريّة، تحترم الانسان، وتفتح أمامه آفاق الحياة من دون تمييز مذهبيٍّ اوفئويٍّ من أيّ نوع..
لهذا، لا مجال لنَعْت هذه “الطبقة النخبوِيَّة”، الموازية، والمطابقة تمامًا، للطبقة السياسيّة الحاكمة والمتسلِّطة التي خرّبت لبنان، وافقرت سكاّنه، الّا بالفشل – والفشل الذريع!
======================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى