لغتنا العربية.. هوية وجودية

خاص “المدارنت”
تعتبر اللغة العربية، من أهم سمات العرب والعروبة، محصنة بدرع سماوي لا يزول، فالثقافة العربية واحدة، وهويتها، أيضا، واحدة، ومن زمن الوجود العربي في عمق التاريخ البشري.
امتلكت أمتنا العربية الإسلامية، تلك السمة فطريا، ثم تطورت، توالدا واشتقاقات، ومع رسالة الإسلام والتنزيل المجيد، علا شانها وسما، فاصتبغت بصيغته الانسانية العالمية، فازدادت زينة ورفعة بما أضاف عليها من قيم اخلاقية وفضائل عملية. آخذة بدفع الجماعات العربية وانطلاقها نحو تألق وحدتها، حيث اتخذت من العروبة وطابعها الإسلامي طريقا للانصهار والانسجام، فكرا ووجدانا وممارسة، معلنة ولادة كيان عربي إسلامي واحد متحد جديد.
ولما كانت اللغة هي الوعاء الحاوية للثقافة والحافظة لها، كما وهي وسيلة وأداة التفكير، ثم إخراجه من القوة إلى الفعل، حيث تتجلى عظمة العقل العربي الإسلامي في قراءة النمط التكويني العوالم ثم تحديد الرؤية الشاملة لتلك العوالم مع بيان دقة وإتقان قوانينها الغيبية التي يمكن اكتشافها عن طريق العلم.
وهكذا فمعرفة اللغة العربية، وإتقان قواعدها ومعرفة اساليبها، ثم حفظها مع وجوب الحفاظ عليها، أهم ركائز التحصين الوجودي: للهوية والذات والشخصية العربية، بكل ما تعني الكلمة من معنى، فالدفاع عن اللغة العربية، واجب بالضرورة، إذ به يضمن للامة العربية استمراريتها، ويحفظ لها مكانتها المنوطة بها، بين الأمم.
وهذا ما أكده قانون ابن خلدون اللغوي، حيث يذكر في مقدمته (ص 438): “أن غلبة اللغة بغلبة أهلها، ومنزلتها بين اللغات بمنزلة دولتها بين الامم”.
والجدير ذكره، أن اللغة تحمل مجموعة وافرة من المعاني، ما يزيد قدرة الإنسان على الفهم والتفاهم والتفاعل، إضافة لزيادة عمل التفكر والتعقل. فاللغة عامل مساعد أكثر للتعبير عن الأفكار المعقدة والمبادئ المتداخلة، كوسيلة أكثر دقة ووضوح وبيان.
وعلى سبيل المثال، نقرأ: نصًا، بحثًا، كتابًا.. وبعد لحظات، يمكننا التعبير عما قرأناه، أو ربما بعد شهور، أو ربما بعد قرون، لأن الكلمات تمكن القارىء إرسال المعاني والدلالات عبر الأثير، إلى عموم الناس، مع الإشارة إلى أن كل فرد هو مسؤول عن تعابيره، الشفوية أو الكتابية، لأنه خاضع لنا اكتسبه من فهم المعاني والدلالات.
من هنا وجب بيان أن إستخدام اللغة بفاعلية الفهم والوضوح، هي من الأمور الحيوية لتحقيق عملية الفهم والتفاهم وتالف التفاعل بين الناس، إضافة لبيان الغرض وتحديد الأهداف، إلى جانب تطوير الاستراتيجيات الفكرية، ثم بلورة السلوك والتصرفات، وبذلك، تتفكك العقبات المعقدة للمعاني ويزول الابهام والغموض داخل الأفكار المتداولة، وهذا مما يسهٍل عملية التعلًم والتفهيم، كما يثبت الوعي الدقيق في نقل المعاني واضحة سليمة، لا لبس فيها، نظرا لما تشكله اللغة العربية، من كلمات تحمل في طياتها معاني متعددة متنوعة لاناس مختلفين في قدرة الفهم والتفاهم، فاختيار الكلمات تحددها قدرة الإنسان الإدراكية والعلمية، فكيف الحال في القدرات التطبيقية أن كان بين أيدينا نصوص أو بحوث أو كتب..؟
وللبيان، تقوم اللغة، بدور التمييز بين الشعوب، وبيان خصوصيّتها، على المستوى الفردي والجمعي، وهذا الأمر يأخذك إلى ضرورة السعي لصون وحفظ الذاتية الفردية والجماعية. والذاتية مفهوم ذو دلالة لغوية، فلسفية، اجتماعية وثقافية، فالذاتية تعني الشيء نفسه، وهذا الشيء لديه خصائص تميزه عن غيره، ويتضمن أيضأ، الاحساس بالانتماء للجماعة التي تنصهر بها الذاتية الفردية.
اللغة العربية الفصحى
لغة العرب، وترمز إلى العروبة، بما يميزها ويخصها من تفرد بين الأمم، وفي جوهرها ما يدل على حقيقة هذا الوجود اللغوي الحي، هذا الوجود الزاخر بالثقافة والرقي الفكري، وما يحمله من ديمومة التجدد والاصطفاء والنماء في حياة العرب.
ومن جهة ثانية، جاء التأكيد على أن صحوة التعبير، وصحوة العقل، وجلاء الذات، لا يمكن لها التحقق لدى الانسان العربي المعاصر، إلا إذا وضع نفسه، بوعيه وعقله، واختياره وسلوكه، في الموقع والموقف السليم السوي، انطلاقا من حاجته إلى هذا الوجود اللغوي المزهر بهذه اللغة العربية القرآنية، بما تحويه من كمال ومرونة وثروة لا تنتهي، إنما تتوالد على الدوام وتتجدد.
وهكذا فالإنسان العربي المعاصر، هو القادر على أن يرتبط بمحيطه والمنسجم مع مناخ صحوته، مرتكزا على محور من العلم والإيمان، محققا بذلك نظرته الشمولية والمتعلق بملكوت السماء والأرض، فيعبر عن ذلك بحرية أريحية، مدللا بالدليل والبرهان عن واقع مضيء ومتسق عن وجود خالق عظيم لتلك العوالم الكونية، وهو الحق، منه البدء وإليه المنتهى. لذلك وجب ربط الجانب اللغوي بالهوية أو الذاتية
لان الذاتية لا يكتمل مدلولها إلا من خلال جوهر اللغة ووظيفتها التي تؤديها، إضافة إلى بيان الاسباب التي عملت على ظهورها، مع بيان مراحل تطورها ونموها، إلى جانب إظهار مناهج تعلمها واتقانها واستخداماتها، لأن اللغة هي الأساس الذي يقوم عليه عقل الامة، أي عقل الجماعة.
وتجدر الإشارة إلى أن اللغة، ليست ذلك الكلام الذي يقوله الشخص أو يقرأه، إنما تشكل اللغة، جزء من الشخص نفسه، ونتيجة لذلك تتم قراءة هوية الشخص وهوية الامة.
ان لغتنا العربية، تقف على رأس الطريق الواسع والمضيء، تحمل مشعل الوجود الذاتي، لغاية تحقق الاستقامة السلوكية والفضيلة الوجدانية، مع صحوة فكرية، آخذة بأيادي أبنائها نحو المثل حتى تحقيق وحدتها باطارها الحضاري بحيث تعيد مجدها الإنساني العالمي على أن تكون لغتنا العربية؛ سندها في ذلك بعيدا عن كل ما أصاب لغتنا من جراح ونزف وتهجين، بعيدا عما يُحاك لها من حفر الضعف والعجز والانصياع، ونخص أهل الداخل الذين اجهدوا عليها باعلامهم وعلمهم البغيض. فحولوا أهلها من وحدة الفصحى إلى تعدد اللهجات، وكأنها شعوب خرساء، لا تقبل التآلف إنما نمت طوائف متحاربة ومذاهب متناحرة، كل ينهل من مشارب الآخرين، وكل أضاع وسيلة تعبيره، الجذابة الحية، والتي هي أداة اللحمة بين أبنائها، انتماء وعقيدة، كما وهي ايضا، أداة قوة العرب علما وعمل في تحقيق سلامة العقل العربي ومنهجه الفكري الشامل الذي تعود به الأضواء إلى منارات لغتنا العربية ثم إلى ساحات الدين الحق، والعلم النافع، والآداب الاخلاقية، والاستقامة السلوكية.
وهكذا تُرسم الطريق إلى تالف الامة واتحادها على خصائصها وقدراتها الفكرية الواعية انطلاقا من ثراء لغتنا العربية العلمية،ثم الاتجاه، بخطى ثابتة، نحو تحقق آمال أمتنا العربية الإسلامية وأهدافها، دون وهن أو حرج أو غموض.
اخيرا أسأل المهتمين باحتفال بيوم اللغة العربية، ما السبب الذي جعل من لغتنا ، التي هي ذاتنا، هي وجودنا، هي.. هي.. يوم في السنة لنتغنى بامجاد حضارتنا؟ هل قزّمنا ذواتنا ومحونا وجودنا.. الخ؟ ولكن نؤكد المؤكد؛ أن لغتنا حية ما دام نفسنا يخرج من أجسادنا من جيل إلى جيل حتى المنتهى الكوني.
المراجع
# مقدمة ابن خلدون
# اللغة والهوية/ ترجمة عبد النور خرافي / الكويت
# دراسة مقارنة اللغات السامية/ المؤرخ الفرنسي أرنست ريمان
# العقل العربي ومنهاج التفكير الاسلامي/ أحمد سالم.




