مقالات
لـبـنــانُ الــوطــنُ غـيـــرُ الـنـــهائـــيّ..!

خاص “المدارنت”..
دأب سكّان لبنان، عبر السنين، على الاختلاف – الى حدِّ الخلاف – حول هُوِّيَّة الكيان والدولة والوطن، كانت نتيجته الحروب الأهليّة والتدمير والتهجير، وعدم الثقة بالمستقبل وبالمصير.
شهد تاريخ لبنان، العديد من القلاقل ومن الحروب والويلات، ومن المراحل الطويلة من عدم الاستقرار، واهتزاز أركان الكيان إلى حدّ التهديد بالتقسيم والتفكيك والزوال، فتتداعى الدول العربيّة والدول الكبرى إلى ايجاد تسوية ترضي الفرقاء المتقاتلين والمتخاصمين، او ترغمهم على القبول بالقاء السلاح، والدخول في مرحلة جديدة من السلام والاستقرار، لكنّ هذه الحال ما تلبث ان تجد ظروفًا اقليميّة ودوليّة جديدة تجعلها شبهَ آنيّة ومرحليّة.
إذن، كيان لبنان، يكاد تكون قاعدتُهُ عدم الاستقرار، واستثناؤهُ فترات قصيرة من السِلم الاهليّ، وبعضٍ من اعادة الاعمار وقليلٍ من التنمية والازدهار.
امّا هذه المَرّة، فيختلف الأمر كثيرًا عن سابقاتها في الحيثيّات والخطورة وانسداد الآفاق؛ فقد وصل لبنان الى مشارف الانهيارات كلِّها، من دون حرب اهليّة جديدة، ومن دون احتلال من عدُوّ او زلازل، جرّاء كوارث طبيعيّة. لقد نهبَهُ حكّامُهُ ومسؤولوهُ وسياسيّوهُ، في عزِّ النهار، على مرأى من سكّانِهِ ومواطنيهِ وجبلِهِ وسهلِهِ وبحره وجَوِّه.
لقد خطَّط هؤلاء، بعناية فائقة، لنَهب المال العامّ، ثمّ لنهب المال الخاصّ بالناس، الذين أفنوا حياتهم في جمعه وايداعه في المصارف، التي كانوا يعتبرونها من أرقى واضمن المؤسّسات الماليّة في العالم.
لقد اوصلوا الناس إلى حال من الحاجة والعوز، يلُفُّها الذُلُّ والاستعطاء وكلّ حالات الضياع وانسداد أبواب الأمل بالخلاص والنهوض.
هنا، ظهرت من جديد، كلّ دعوات التقسيم والتفتيت والتفكيك، التي كانت كامنة لسنوات طويلة بين طيّات نفوس الكثيرين من سياسيّين ومثقّفين، كما لو أنّ هوِّيَّة لبنان تعود إلى منصّات النقاش بشكلٍ جدِّيٍّ، مفتوح على كلّ الاحتمالات.
في هذه الاثناء، ونتيجة لعمليّة الافقار المُنَظَّمة، التي نفَّذها الحكّام والمسؤولون والسياسيّون وأزلامُهم، طفَت على السطح حالات شديدة الخطورة، تجوب المجتمعات اللبنانيّة، من الغضب واللامبالاة في آن، تُنذِر بفصول جديدة من الصراع على الهُوِّيَّة، تسانِدُها وتدعمُها، هذه المَرّة، حالاتٌ شعبيّةٌ واسعةٌ من التأييد تُهَدِّد وحدةَ الدولةِ والكيان.
لقد وصل معظم “اللبنانيّين”، للأسف الشديد، الى حالٍ من التخلِّي عن لبنان كوطن نهائيّ؛ فبعضهم تعالت أصواتهم بالمناداة باحتلال أجنبيّ، لتخليص البلاد من حكّامها، وبعض آخر ينادي بالتقسيم، وآخر بالفدراليّة، وآخر بانقلاب عسكريّ، ومعظمهم يتمنّى الهجرةَ والانعتاق من هذا الكابوس الرهيب الذي يسمّى لبنان، والذي كان يومًا من الايّام، “دُرَّةَ الشرقين”، وقبلة الأحرار والمثقّفين، وطالبي الهدوء وراحة البال!
لبنان هذا، الذي انتجَهُ حكّامُهُ ومسؤولوهُ وسياسيّوه وأزلامُهُم، والذي كان سينهار، لولا كَرَم المغتربين، والتزامهم بأهاليهم وأبناء بلدانهم، لم يعُد بنظر معظم سكّانه، مكانًا امِنًا للعيش بكرامةٍ وكفاية، ولم يعُد فيه أملٌ للأجيال الحاضرة في بناء مستقبل لأبنائهم وأحفادهم!
لبنان، هذا، سيفرغ، فيما لو حطّت طائرات اجنبيّة في المطار، ورسَت سفن أجنبيّة في مرافئه، وسيكون اوّل وطن في التاريخ يتخلّى عنه أبناؤه، بعدما ملأوا الدنيا، وشغلوا الناس بالتغنّي بأرزه وجماله وروعة طبيعتِهِ الخلّابة!
لا نبالغ، لو قلنا أنّ لبنان، لم يعُد “وطنًا نهائيًّا لجميع اللبنانيّين”!



