مقالات
لــبــنــــــــان.. أعـِـنّــــــــا يـــــــا عـــــــون..

خاص “المدارنت”..
لبنان بلد صغير، إذا كان المقياس من منظور جغرافي أو سكاني، ولكنه كبير بمساهماته المهمة للإنسانية، من أرضه إنطلقت واحدة من أعظم الحضارات القديمة “الفينيقية”، وعلى مرافئه صنعت الجواري، وأبحرت تمخر بحار العالم، حين كان معظم العالم يغطّ فى نوم عميق.
وكأن قدره أن يحمل رسالة التنوير هذه على مرّ العصور – وبتبادل و تداخل دورات الحياة – عبر قفزات الزمان والمكان، فإنتقلت العدوى الخيرة إلى جيل المهجر إلى العالم الجديد فى الأمريكتين وفى أفريقيا، فإندمجوا فى تلك المجتمعات وحملوا معهم حصيلة تجربة ثرة في السياسة وفي الأدب وفي الإقتصاد والتجارة، وكان لهم دورا مميزا في كل تلك البلاد وكانوا روادها و قادتها و تركوا بصماتهم العميقة والواضحة، وبخاصة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا الغربية، وتبوؤا أعلى المناصب فى السلطات السيادية والتنفيذية والعدلية والإقتصادية فى تلك الدول وصاروا اسماءا يشار إليها بالبَنان.
وبعدهم الجغرافي، لم يبعدهم عن أصلهم الحضاري والثقافي، وعلى أكتافهم حملوا رسالة لغة الضاد، وأعطوها زخما جديدا ومعاني ضافية، فيما عرف بأدب المهجر، وبرزوا في الأدب والفلسفة وعلى رأسهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي ومي زيادة وغيرهم.
وكان النصف الثاني من القرن الماضي، فترة تزاحمت وتضاربت فيها الأحداث فى هذا البلد، سلبا وإيجابا في مختلف الأصعدة وعصفت به حربان أهليتان، الأولي فى الخمسينات والثانية فى السبعينات، وخلفت كلتيهما واقعا مؤلما مريرا، وخسائر فادحة قادت إلى تدخلات دولية وإقليمية.
فى الشأن الداخلي، أنتجت تسويات سياسية هشة، قام على أثرها نظام طائفي، تتقاسم سلطاته الطوائف، وعلى وقع دستور يقنن تلك المحاصصة.
وهذا الواقع، كان ولا يزال يشكل أرضية جاذبة لفرض أجندات خارجية، تحمل جينات ومواصفات الطوائف المتنافسة داخليا وتعطيها المسوّغ والمبرر!
السياسيون اللبنانيون، والإعلاميون والمحللون السياسيون، على قدر عالي من المعرفة والإدراك، ويملكون ناصية القول، بينما تنقصهم الحيلة والانفكاك من حبال الإنتماء الطائفي والأيديولوجي، وعادة ما يغوصون في وحلهما، وهم أصحاب رسالة وطنية فى المقام الأول، ويدهش المرء عندما يرجع البصر إلى أهلهم وعشيرتهم في دول المهجر، ودورهم النيّر فى تثبيت قوائم نظم أخرى، ويفشلوا في إصلاح الذات!.
كنا ننظر إلى لبنان من الخارج، بإعزاز ومحبة، بحسبانه واحة للديموقراطية والحريات في عالم عربي، يتحكم فيه القهر والإستبداد والفساد والمحسوبية، وإنعدام المراقبة والمحاسبة والعقاب. ونري بإعجاب كيف تتعايش تلك الطوائف المختلفة في أمن وسلام، وفى مقدرتها على التبادل السلمي للسلطة، وعلى التسامي فوق المحاذير والمعوقات. وكنا نقرأ الصحف والمجلات، ونجد فيها مساحة كبيرة للحرية، وكانت المطابع اللبانية، تمدنا بكل جديد من كتب الأدب والعلوم.
ونشأت حركة ثقافية وفكرية، مواكبة فى مجال الفنون والموسيقى والسينما والمسرح. وكانت بيروت، حقًا عاصمة النور وباريس الشرق.
وكانت البنوك اللبنانية فى مصاف بنوك سويسرا، من حيث الثقة والأمان، وجذبت رؤوس الأموال والإستثمارات العربية والعالمية، وكادت تضاهي سنغافورة وماليزيا، كمركز للخدمات المالية العالمية.
هذا المنظر الباهر، كان يحمل بين حناياه تناقضا، وكان بمثابة حصان طروادة الذى إنفجر بعد حين، وكشف عن عورة نظام متهالك، نخرت فيه دودة المحاصصات الطائفية البغيضة، وأقعدته ثم أوقعته على شفا حفرة من الهلاك.
وهكذا قامت دولة داخل الدولة اللبنانية، تملك جيشا ومؤسسات موازية، وتأتيها السفن المحملة بالبترول، وبإعلان صريح خارج نطاق السلطة الشرعية!
ثار الشباب اللبناني، بمختلف أطيافه السياسية على هذا الواقع، مطالبا بنظام ديموقراطي حقيقي غير طائفي، يقوم على مبدأ المواطنة والكفاءة والخبرة والأمانة والشفافية، وفى غمرة الحراك، طفت جائحة كورونا، بكل تداعياتها على السطح، وشلت من حركته وجاءت الطامة الكبري في إنفجار مرفأ بيروت، بآثاره المفجعة فأوقفت حركته.
دخلت البلاد فى أزمة سياسية مستمرة حتى هذه اللحظة، وفى أزمة إقتصادية طاحنة غير مسبوقة، وسقطت الليرة في الحضيض، وإنعدمت المواد البترولية، وتعطلت المصالح والمؤسسات نتيجة لإنقطاع التيار الكهربائي، وضربت الآثار الأصيلة والأعراض الجانبية لهذه الأزمة المواطن في أبسط مقومات الحياة.
والبلاد منذ أكثر من عام، بلا حكومة، تدار بواسطة حكومة تصريف الأعمال، وقد اصطدمت محاولات السيد (رئيس تيار المستقبل النائب) سعد الحريري، برفض السيد رئيس الجمهورية ميشال عون على قائمة الحكومة المقترحة، وعلى الرغم من التبديل والتغيير، ظل سيادته على موقفه، مما أدى إلى إعتذار السيد الحريري بعد عدة أشهر من تكليفه.
ثم كلّف السيد (النائب) نجيب ميقاتي، بتشكيل الوزارة، وإصطدم أيضا برفض السيد الرئيس للتشكيلة الوزارية المقترحة!
السيد الرئيس مشال عون، صرح بأنه يستند إلى مشروعيته المعنوية لا الدستورية! والدستور هو أبو القوانين، ويعلو عليها، فكيف إذا كان الأمر معنويا او مزاجيا؟! ولأول مرة في حياتي، أسمع بالشرعية المعنوية في القاموس السياسي.
ولربما الغرض من هذا التعنت، هو إعادة بعض ما فقدته مؤسسة رئاسة الجمهورية فى دستور إتفاقية الطائف، وتجييره إلى مصلحة الطائفة المارونية.
السيد الرئيس ميشال عون، يتمتع بكاريزما سياسية، وإنضباط مشهود، ورثه من تربيته العسكرية، وهو وطني من الطراز الأول، ولكن أحيانا التعصب المذهبي، يجعل غشاوة في الفكر وفي الرؤية وفي الرسالة.
ومن نفس منطلق الإحساس المعنوي والمحبة للبنان العزيز، أقول لسيادته، إن المناصب زائلة، والأشخاص كلهم إلى نهايات حتمية لا مفر منها، ويبقى الوطن، وتبقي الأرض، وتبقي المواقف النبيلة والصادقة، التي تعلو من قيمة الوطن، على نزعات النفس وجنوحها نحو التعصب.
وماذا يفيد لبنان، إذا كسب هذا الحزب أو ذاك مقعدًا إضافيا، أو إذا شغل فلان أو علان هذا المنصب أو ذاك؟ إنها لعبة كراسي لا تسمن الشعب – المغلوب على أمره – ولا تغنيه من جوع، وهي لحظة حرجة في تاريخ بلا شك، هو حسرة وضياع لوطن عظيم.
الرجاء والأمل، أن يَعين السيد الرئيس عون هذا البلد، بالموقف الصحيح والعاجل، وأن يحل هذه العقدة – الغير عصية – وأن يكفيها شر القتال والأهواء السياسية الداخلية، وسهام أعداء الجوار والإقليم.
هذا قدر لا مفر منه، ولذلك لزم التعاطي معه بالحكمة والتروي، وتغليب المصلحة الوطنية.
لبنان، يملك كل مقومات النهوض من جديد، بما يملك من كوادر بشرية مؤهلة، وخبرات وطنية وعلمية في كل التخصصات، وموقع جغرافي مميز، وتمازج إنساني قل مثيله، والمطلوب هو وضعه في المسار السليم.
وهذا هو دور النخب السياسية، وعلى رأسها الرئيس عون، وكذلك هو دور، تتشاركه أيضا قوى المجتمع المدني، وحركة الثوار اللبنانيين المستقلين.
ويبقي الحل الأمثل، هو إلغاء النظام الطائفي الحالي، وإقامة نظام ديموقراطي حقيقي، يقوم على أسس المواطنة، كما طالبت به ثورة الشباب اللبناني.



