لهذا نأى بن سلمان بنفسه عن طاولة نيويورك!

“المدارنت”
في مشهد متميز من التفاؤل، وصف ستيف ويتكوف خطة ترامب الجديدة بأنها مقدمة واقعية للحل. قال للمراسلين بأن الخطة التي عرضت على زعماء عرب ومسلمين، الذين التقوا مع الرئيس الأمريكي “أخذت في الحسبان مخاوف إسرائيل ومخاوف كل جيرانها في المنطقة”. وأضاف: “نحن متفائلون، وعلى ثقة بأن الأيام القريبة القادمة ستبشر بتوصلنا إلى نوع من الاختراقة”.
ويتكوف شخص لطيف، وقد أسر قلوب الإسرائيليين بعلاقته الودية ودعمه لعائلات المخطوفين. ولكن تبين في النهاية، أن تفاؤله كان سابقاً لأوانه أو مبالغاً فيه. في أساس الخطة، كما نشر موقع اكسيوس، كان هناك وقف دائم لإطلاق النار في غزة، وانسحاب الجيش الإسرائيلي بالتدريج من القطاع، وتزويد واسع للمساعدات الإنسانية، وإعادة جميع المخطوفين وبالأساس خطة لإدارة القطاع في “اليوم التالي”. سيتم هذا بوساطة قوة فلسطينية، لن تكون حماس شريكة فيها، وستتعاون مع قوات دولية وعربية. وسيحظى الجسم الإداري بتمويل عربي ودولي، يخصص لإعادة إعمار القطاع بالتعاون مع السلطة الفلسطينية.
عبر الزعماء العرب بأدب عن رضاهم من “اللقاء المثمر”، لكنهم ربطوا دعمهم للخطة بعدة بنود أخرى ستوسع نطاقها إلى ما يتجاوز قطاع غزة. حسب مصادر عربية، هذه الشروط تشمل منع ضم أجزاء من الضفة لإسرائيل، ومنع احتلال مناطق في القطاع، والحفاظ على الوضع الراهن في الحرم. غزة بالنسبة لهم لم تعد مجرد قضية إنسانية أو حرب محلية جبت حياة عشرات آلاف الفلسطينيين، بل هي المفتاح لحل القضية الفلسطينية. ولكن من غير المؤكد أن خطة ترامب ستوفر ذلك.
في كل ما يتعلق بخطط إنهاء الحرب وصفقات إعادة المخطوفين، كانت السنة الماضية مثمرة بشكل خاص – لكن تطبيقها قصة أخرى. 21 بنداً تشملها خطة ترامب، أقل بكثير من الـ 91 صفحة التي ضمت خطة مصر من شباط، ويبدو أنها أقل فخامة من خطة الريفييرا، التي وضعها ترامب في الشهر نفسه، وهي الخطة التي سعت إلى نقل السيطرة على غزة للولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب، وألقت بظلها المخيف على الشرق الأوسط كله.
ربما تعلم ترامب شيئاً أو اثنين في الأشهر السبعة التي مرت منذ خروجه إلى العالم بمشهده الساحر، لا سيما أثناء زيارته التي شملت كل دول الخليج في أيار. زعماء هذه الدول، وعلى رأسهم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس الإمارات محمد بن زايد – حتى الآن هي الدولة الوحيدة التي وافقت على المشاركة في قوة عربية دولية مع شروط وتحفظات – أوضحت للضيف بأن أي تعاون عربي في القطاع يحتاج على الأقل إلى رعاية السلطة الفلسطينية التي هي الممثل الوحيد المعترف به للشعب الفلسطيني.
العناق الدافئ والتملق الكبير – حتى بادرة حسن النية السياسية التي لا بأس بها، واعتراف ترامب بالرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، وإلغاء معظم العقوبات المفروضة على سوريا – لم تخفف من موقف السعودية الحازم، التي هي نفسها اجتازت انقلاباً في مقاربتها فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فقد انتقلت السعودية من موقف لم يطالب إلا بتحسين ظروف عيش الفلسطينيين في المناطق وتصريحات هوائية بشأن حقهم في دولة فلسطينية مقابل التطبيع مع إسرائيل، لتنتقل إلى قيادة وتجنيد المجتمع الدولي من أجل الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ليس عبثاً أن بن سلمان، الذي لم يزر الولايات المتحدة منذ 2018، امتنع أيضاً في هذه السنة عن المشاركة في اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
قال بن سلمان إنه يجب أن يكون هناك مقابل سياسي محترم مقابل الأموال الطائلة التي هي أكثر من تريليون دولار والتي تعهد باستثمارها في الولايات المتحدة في فترة ولاية ترامب. لم يرغب ولي العهد في إيجاد نفسه في صف واحد مع زعماء عرب ومسلمين آخرين في جلسة مؤدبة مع الرئيس ترامب، الذي سيطلب منه خلط مبادرته داخل ما سيكون -حسب تقديره خطة أمريكية – إسرائيلية. حسب رأي بن سلمان، فإن السعودية التي وقفت من وراء المبادرة العربية في 2002 هي مستوى آخر. من ناحيتها، الاعتراف الدولي الساحق بدولة فلسطين هو عملية سياسية مهمة في تاريخ الشعب الفلسطيني، لكنه تصريح فقط الآن، وثماره الفعلية لم تبدأ في الظهور بعد.
السعودية في المقابل، التي هي في شراكة وثيقة مع فرنسا والتي بنت خلال فترة قصيرة نسبياً هذا الاعتراف، حققت رأس المال السياسي، الأمر الذي يضعها مثلما في 2002 كقوة تقود الشرق الأوسط وتستطيع أن تؤسس ليس فقط تحالفاً عربياً، بل أيضاً تحالفاً دولياً. بمكانته هذه، يقف بن سلمان كمنافس للرئيس ترامب نفسه حول تحديد النموذج السياسي، وبالتالي العسكري، الذي سيوجه تشكيل السياسة في الشرق الأوسط.
لكن “انتصار” بن سلمان غير كامل وغير مؤكد. فالسعودية لم تقنع ترامب بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، والرئيس الأمريكي ما زال متمسكاً بموقف يشبه تقريباً موقف نتنياهو، الذي يقول بأن السلطة لن تكون جزءاً من الحل في غزة. حتى تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، لم ينجح بن سلمان في “ترتيبها” لمحمود عباس، أو في فتح جسر اللنبي، أو ضمان سلامة الوضع الراهن في الحرم – أمام مشاغبات بن غفير الخطيرة. في الواقع، أدوات ضغط السعودية على ترامب – الأموال الطائلة التي وعدته بها – أظهرت قوتها في سوريا، لكنها تجد صعوبة كبيرة في مواجهة التحالف الأمريكي – الإسرائيلي الذي يرفض إنهاء الحرب في غزة عن طريق حل القضية الفلسطينية.
المنافسة بين هاتين الاستراتيجيتين اللتين سيتم فيهما اختبار قوة السعودي، هي التي ستحدد مصير خطة ترامب الجديدة أو مصير أي خطة أخرى لإنهاء الحرب. مثلاً، المبدأ المتفق عليه بين جميع الأطراف، الذي يتم تضمينه في كل الخطط والقائل بأن حماس لن تكون شريكة في إدارة غزة، سيقتضي تحديد كيف سيتم إبعاد هذه المنظمة من القطاع.
إسرائيل تعلن بأن هدفها الأسمى هو تصفية حماس. احتلال مدينة غزة ومخيمات الوسط والتصادم الممنهج والقتل الجماعي ونقل السكان واحتلال المناطق، كل ذلك استهدف تحويل غزة إلى منطقة قتل التي ستبقى فيها، على الأقل على الورق، قوتان مسلحتان، الجيش الإسرائيلي ونشطاء حماس. حسب هذه الرؤية، فإن ثمن – حياة المخطوفين والجنود، وعقوبات ومعاقبات دولية، وتصفية احتمالية التطبيع مع السعودية وهز اقتصاد الدولة، بالأحرى، استمرار قتل آلاف الفلسطينيين – ليس سوى ضرر هامشي فقط. خطة عمل الحكومة لا تعترف بمفهوم “اليوم التالي”، أو باليوم التالي الذي تعرضه الخطة المصرية أو الخطة الأمريكية، ولا حتى الخطة السعودية التي تربط غزة بالضفة الغربية. عملياً، حسب الخط الإسرائيلي، يجب عدم تحديد مفهوم “تصفية حماس” وعدم تحديد جدول زمني لإنهاء الحرب.
طموح نتنياهو هو الحفاظ على غزة كساحة محددة، منفصلة عن الضفة وعن كل القضية الفلسطينية. أي حديث أو تخطيط “لليوم التالي” يراه عبوة ناسفة جانبية يجب إبطالها لأنها مناقضة لجوهر خطته وتدحض ادعاء أن استمرار الحرب هو ما يقتضيه الواقع. مبادئ خطة ترامب تحاول التسوية بين استراتيجية نتنياهو بشأن “التصفية المطلقة” وبين الموقف الذي تدفعه السعودية قدماً؛ وبين المقاربة التي تقول بأن “حماس لا يمكن أن تبقى في القطاع” وبين المقاربة التي تقول “حماس لا يمكن أن تكون شريكة في إدارة القطاع”.

لكن حسب رؤية نتنياهو، فإن الحديث لا يدور عن تسوية، بل عن تصادم تكتوني. ففي اللحظة التي يُتفق فيها على أن حماس (فقط) لا يمكنها المشاركة في إدارة القطاع، سيتم شق منزلق حاد وسريع إلى “اليوم التالي”، الذي سيطلب فيه من جهة ما، ليست إسرائيل، الموافقة على إدارة القطاع. من غير المهم إذا كانت الإدارة وإعادة الإعمار ستتم حسب الخطة المصرية أو الأمريكية أو السعودية؛ لأن المعنى كما يراه نتنياهو، ليس فقط إحياء مكانة السلطة الفلسطينية كجسم حكومي شامل، بل هو بالأساس هزيمة لمسيرة نضاله الذي استمر عشرات السنين لتدمير شرعية التمثيل الفلسطيني، الذي هو الأساس لإقامة الدولة الفلسطينية، ليس فقط على المستوى الإعلاني، بل على مستوى الواقع الفعلي.
“التهديد” الأخطر هو أنه في اللحظة التي سيتبنى فيها ترامب الخطة العربية، فإنه فعلياً يتعهد بالاعتراف بكون السلطة الفلسطينية مصدر الصلاحيات لكل النشاطات المدنية والسياسية التي ستتطور في غزة. حسب علمنا من نشر خطة ترامب حتى الآن، فإن الرئيس نفسه لم يحدد متى يبدأ “اليوم التالي” وما شروط وقف إطلاق النار، وإلى أي درجة ما زال يؤمن بقدرة إسرائيل على تدمير حماس. بدون تحديد هذه الأسس، فإن خطة ترامب تبدو الآن كخليط من فصول، كل واحد منها مأخوذ من كتب مختلفة، نتنياهو والسعودية والمجتمع الدولي، في هذه الأثناء بدون الولايات المتحدة.
بعد اللقاء بين ترامب ونتنياهو، ربما نعرف وجهة الرئيس الأمريكي ووزن كل لاعب من اللاعبين الإقليميين والدوليين الذين يحاولون التأثير على قراراته. يجدر التذكر فقط مرة أخرى بأن الأمر يتعلق بترامب الذي بدل موقفه فيما يتعلق بفلاديمير بوتين، وسحق فولوديمير زيلينسكي، وبعد ذلك عاد وتبناه بحفاوة. وانقض على الدول الأوروبية، وبعد ذلك توصل معها إلى اتفاقات. وهاجم الحوثيين بوحشية، وفي النهاية وقع معهم اتفاقاً لوقف إطلاق النار. وأجرى مفاوضات مع إيران، ثم قصفها. في الواقع، ربما يعرض على نتنياهو مناورة مدهشة في الألعاب البهلوانية السياسية، ولكن ما سيبقى من ذلك عند الهبوط على الفرشة ما زال مبكراً معرفته. وسيتعين على بن سلمان الانتظار بصبر.



