مأزق الاستراتيجية الإيرانية وتآكل السلطة وحتمية التحوّل الداخلي!

خاص “المدارنت”
تُجمع القراءات الاستراتيجية المعاصرة على أن إيران، تمثل التحدي الجيو/ سياسي الأكثر تعقيداً على الساحة الدولية. وفي ظل فشل مقاربات “الاسترضاء الدبلوماسي” من جهة، ومحدودية أثر “العمل العسكري الخارجي” من جهة أخرى، يبرز سؤال جوهري: هل يكمن الحل في تغيير السياسات، أم في تغيير بنية النظام القائم؟
وهم القوة في ظل العجز البنيوي
إن الاعتقاد بأن بقاء النظام الإيراني، رغم تعرضه لضربات عسكرية نوعية، أو خضوعه لعقوبات خانقة، دليلٌ على متانته، هو قراءة سطحية تتجاهل طبيعة الأنظمة الشمولية. فالواقع يشير إلى أن عجز القوى الخارجية عن تفكيك المنظومة الحاكمة لا يعود إلى “قوة النظام”، بل إلى قصور استراتيجي في المقاربات الدولية. إن الغزو العسكري المباشر، في دولة بتضاريس إيران وجغرافيتها البشرية المعقدة، كان سيقود المنطقة إلى فوضى مستدامة، مما جعل الخيار العسكري الغربي محدوداً بطبيعته. هنا تبرز “معضلة المركبة”؛ فالقوة العسكرية التي تسير في المسار الخاطئ لن تصل إلى الهدف، مهما بلغت سرعتها، وهو ما يفسر لماذا لم تنتج الضربات الخارجية نتيجة سياسية مستدامة.
ركائز البقاء.. الاستبداد كضرورة وجودية
يتساءل المراقبون عن سر رفض السلطة في طهران، تقديم أي تنازلات جوهرية، رغم انكشافها الاستراتيجي. الإجابة تكمن في أن هذا النظام يرتكز على ثلاث ركائز بنيوية متلاحمة: القمع الداخلي المفرط، والتدخلات الإقليمية لتصدير الأزمات، وبرامج الردع التسليحي. بالنسبة لأركان السلطة، فإن أي تراجع في هذه الجبهات ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو تهديد وجودي يُترجم بعبارة “الانتحار خوفاً من الموت”. فالنظام يدرك أن أي تنازل قد يطلق شرارة “تأثير الدومينو” الذي سينتهي بتفكيك منظومته بالكامل.
مأزق السلطة بعد الولي الفقيه
أفرز انتقال السلطة إلى (المرشد الأعلى الجديد السيد) “مجتبى خامنئي”، واقعاً سياسياً يتسم بضعف المرجعية، حيث غابت الهيبة التاريخية والدينية التي تمتع بها سلفه. تكشف وثائق ومواقف حديثة، من بينها التبريرات التي ساقها “مجتبى خامنئي” للموافقة على تفاهمات خارجية، عن انسداد مؤسسي وتآكل في سلطة القرار المطلق. هذا الضعف في المركز أدى إلى تصاعد حدة “حرب الأجنحة” داخل الأجهزة الأمنية والسياسية، مما جعل النظام عاجزاً عن حسم قراراته الاستراتيجية، وأظهر الدولة كجزر متناحرة تتصارع على الموارد المتبقية.
الاقتصاد والمجتمع.. وقود الأزمة
في الوقت الذي تُنفق فيه مليارات الدولارات على الأذرع الإقليمية والبرامج النووية، تعيش إيران تحت وطأة انهيار اقتصادي مأساوي. التضخم الفلكي، وتفشي البطالة، وتدهور البنية التحتية، ليست مجرد أرقام اقتصادية، بل هي محفزات للاحتجاج الشعبي. هذا التراكم للأزمات خلق مجتمعاً شديد الاحتقان، حيث تحول الجهاز القضائي إلى أداة لقمع الرغبة الشعبية في التغيير. إن هذا التدهور الخدمي والاجتماعي يؤكد أن النظام فقد أي قدرة على تقديم “عقد اجتماعي” جديد لمواطنيه.
البديل الديمقراطي.. رؤية منظمة للتغيير
تشير التجارب التاريخية إلى أن الانتفاضات العفوية تحتاج إلى إطار سياسي منظم للعبور نحو الديمقراطية. وفي المشهد الإيراني، برز “المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية” كائتلاف ديمقراطي يطرح “خطة النقاط العشر”، التي تتبنى الفصل بين الدين والدولة، والمساواة الجندرية، ونزع السلاح النووي. هذا البديل لا يمثل تمنيات سياسية، بل يعكس قدرة تنظيمية ميدانية، تتجلى في نشاط “وحدات المقاومة” التي تواصل عملها رغم القبضة الأمنية الحديدية.
خلاصة استراتيجية
إن مأزق النظام الإيراني الراهن هو اندماج تاريخي لأزمات بنيوية ومؤسسية، لا يمكن حلها عبر استرضاء دبلوماسي لا يملك ضمانات التنفيذ، ولا عبر ضربات عسكرية تزيد من تصلب الجبهة الداخلية. إن التغيير الحقيقي في إيران يتطلب إدراكاً دولياً بأن القوة الفاعلة التي يمكنها إحداث استقرار إقليمي هي تلك القوة الشعبية المنظمة التي ترفض الاستبداد. إن مسار التغيير بات واضحاً: دعم حق الشعب الإيراني في استعادة سيادته، باعتباره الطريق الوحيد لإنهاء حالة عدم الاستقرار التي تفرضها السياسات الراهنة على المنطقة والعالم.



