ماذا بقي من ثورة 23 تمّوز(يوليو) وقائدها؟!

خاص “المدارنت”..
قامت ثورة 23 تمّوز (يوليو) بعد إرهاصات عديدة، استمرّت لعشرات السنين، حيث كان المجتمع المصريّ والعربيّ يتلمّس طُرُقَهُ نحو التحرُّر من العبوديّة والتسلُّط والاستعمار والتبعيّة والفقر والجهل والتخلُّف…

كانت المنطقة العربيّة في أواخر أربعينيّات القرن الماضي تغلي بسبب تراكمات سايكس/بيكو، التي قسّمَت العرب بعد الحرب العالميّة الأولى ، وبسبب اغتصاب فلسطين من قِبَل العصابات الصهيونيّة المدعومة – جملةً وتفصيلًا – من الدول الكبرى ، آنذاك ، كلِّها ، والتي هزمت (الجيوش العربيّة) التي كانت ، أصلًا ، فعليًّا ، تحت إمرة تلك الدول..
ضياع فلسطين أحدَثَ نزيفًا هائلًا في جسد الأمّة العربيّة التي مُنِعَت – بشكل أو بآخر – من توحيد جغرافيّتِها وقدراتها وطاقاتها ممّا جعل ذلك الغليان يتحوّل إلى ثورات ترفض الواقع المرير وتسعى للوحدة والنهوض وتحرير فلسطين ..
من رحِمِ تلك المعاناة وُلدَت ثورة ٢٣ تمّوز (يوليو) التي أطلق عليها الكثيرون ثورة جمال عبد الناصر مؤسِّس حركة الضبّاط الأحرار في الجيش المصريّ التي كانت الشرارة المضيئة في بدء مسيرة نهوض الغرب ، كأمّة ، في العصر الحديث ..
يقول عبد الناصر : ” إذا لم يقم الجيش بهذا العمل فمن يقوم به ؟ وكنّا نقول : كنّا نحن الشبَح الذي يؤرِّق به الطاغية أحلامَ الشعب ، وقد آن لهذا الشبح أن يتحوّل إلى الطاغية فيبدِّد أحلامَهُ هو.. وكنّا نقول غير هذا كثيرًا ، ولكنّ الأهمّ من كلّ ما كنّا نقوله أنّنا كنا نشعر شعورًا يمتَدُّ إلى أعماق وجودِنا بأنّ هذا الواجب واجبُنا ، وأنّنا إذا لم نقم به فإنّنا نكون كأنّنا قد تخلًَينا عن أمانةٍ مقدسة أُنِيط بنا حملُها “.
قامت الثورة فجر ٢٣ تمّوز ( يوليو) ، دون إراقة قطرة دم واحدة وخطّت طريقها مباشرة ، بشكل شديد الوضوح ، نحو الاستقلال الوطنيّ والتنميّة الشاملة والعروبة وفلسطين ..
حقّقت الثورة انجازات هائلة ، لا مجال لحصرها في هذه الكلمات ، وشهِدت إخفاقات عديدة ، أيضًا لا مجال لتعدادها ، لكنّها اتّسَمَت بالصدق والإخلاص والنزاهة والمسؤوليّة والمرجعيّة الحاضنة لكلّ أحرار العرب والعالم التوّاقين إلى الحريّة والكرامة والحرص على مستقبل البلاد والعباد .
غاب جمال عبد الناصر في ٢٨ أيلول (سبتمبر) ١٩٧٠ فخلَفَهُ أنور السادات ، نائب الرئيس ، وما لبِثَ – بعد شهور قليلة – أن غيّر مسارَ الثورة ونهجَها فدخلت المنطقة العربيّة في نفق شديد التعقيد والخطر والحروب الأهليّة والتخبُّط اوصل العرب إلى ما هم عليه الآن في مشهديّة لم تحصل الّا بعد سقوط بغداد بيد المغول والتتار عام ١٢٥٨ ودخول المنطقة في عصور الانحطاط المعروفة !
بعد هذا العرض التاريخيّ الموجز والمُبَسّط يحضُرُنا السؤال الذي يتكرّر ، باستمرار ، منذ عشرات السنين والذي هو : ماذا بقِيَ من ثورة جمال عبد الناصر !؟
برأيي المتواضع أقول ، باختصار شديد : لقد بقِيت إنجازات ثورة ٢٣ تموز (يوليو) الكبرى كالسَدّ العالي في أسوان وبُنية الجيش العصريّ وقناة السويس الحُرّة وغيرها وتمّ القضاء على الانجازات في الصناعة والزراعة والتربية والتعليم والعدالة الاجتماعيّة وغيرها وتمّ القضاء على حضور مصر العربيّ والاقليميّ والدوليّ وعلى المرجعيّة الكبرى التي كانت تشكِّلُها ، ايام عبد الناصر ، للعرب والعالم الثالث والعالم الاسلاميّ ..
أمّا جمال عبد الناصر فقد حفَرَ عميقًا في وجدان العرب والمسلمين وأحرار العالم ، وسيبقى في ذاكرة الأجيال العربيّة التوّاقة إلى التحرُّر والنهوض والوحدة وفلسطين ، إلى ما شاء الله …



