ما وراء المشانق.. دلالات التصدع البنيوي في استراتيجية الردع الإيرانية!

خاص “المدارنت”
في مشهدٍ يختزل صراع الإرادات بين سلطة الدولة ومناوئيها، تداولت أوساط إعلامية دولية وعلى رأسها صحيفة “نيويورك بوست”؛ تناولت مقاطع “فيديو” مسربة من داخل “سجن قزل حصار” الإيراني، توثق اللحظات الأخيرة لستة سجناء سياسيين قبل تنفيذ حكم الإعدام بحقهم؛ وهنا لا يكمن جوهر الحدث في الفعل الإجرائي للإعدام فحسب بل في “الأهزوجة” التي صدحت بها حناجرهم، والتي تحولت من مجرد هتاف احتجاجي إلى رمزية سياسية عابرة للجدران الخرسانية تضع مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية أمام تساؤلات جوهرية حول فعالية سياسات الردع التي ينتهجها النظام الإيراني في ظل ضغوط داخلية متصاعدة.
جدلية الردع مقابل التعبئة الرمزية
تعتمد الأنظمة الشمولية تاريخياً على سياسة الإعدامات العلنية أو المسربة كأداة للضبط الاجتماعي، وتهدف بذلك إلى “كسر الإرادة لدى المجتمع” وبث الرعب في نفوس القواعد الشعبية المعارضة.. إلا أن التحليل الاستراتيجي لهذا السلوك يشي بوجود “أثر عكسي”؛ فظهور أشخاص مثل وحيد بني عامريان، وبابك عليبور، وأبو الحسن منتظر، وبويا قبادي، وأكبر دانشوركار، ومحمد تقوي، وهم يواجهون الموت بنبرة تحدٍ واضحة ينقل الصراع من ساحة “التفوق الأمني” للنظام إلى ساحة “التفوق الأخلاقي” للمعارضة.
إن تحول المشنقة من أداة إنهاء حياة إلى منصة لتصوير مقاطع تكتسب طابعً من “الاستشهاد السياسي” الذي يفرغ استراتيجية الردع من محتواها، ويخلق حالة من الاستقطاب الحاد التي تصعّب على النظام عملية العودة إلى الاستقرار الاجتماعي التقليدي.
الولي الفقيه في مواجهة “الجيل المتمرد”
تشير الخطابات المسربة لا سيما رسالة بني عامريان الموجهة إلى الولي الفقيه إلى تحول بنيوي في طبيعة المطالب السياسية في إيران.. حيث لم يعد الحراك يطالب بإصلاحات جزئية أو تحسينات اقتصادية بل بات يتبنى خطاباً وجودياً يستهدف شرعية النظام ذاتها؛ هذا التحدي الفردي الذي يُختزل في عبارات مثل “عرش الطاغية سيتحطم” يعكس إدراكاً متزايداً لدى الأجيال الشابة بأن كلفة الصمت باتت توازي كلفة المواجهة..
إن تعاظم هذا الشعور داخل السجون ومن ثم تصديره للرأي العام عبر الفضاء الرقمي يفرض على صانع القرار في طهران معضلة كبرى تثير تساؤلاً.. كيف يمكن للحكومة أن تحافظ على تماسك أجهزتها الأمنية في مواجهة حراك لا يخشى الموت.. لا بل يستخدمه كأداة احتجاج؟
تداعيات “ستار الحرب” على الداخل
رصدت التقارير الحقوقية ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة الإعدامات حيث تم تنفيذ ما لا يقل عن 145 عملية شنق منذ أواخر فبراير.. ويرى المحللون في هذا التصعيد محاولة لاستغلال الظروف الإقليمية المتوترة لتصفية الحسابات الداخلية تحت غطاء “الحرب” وضرورات الأمن القومي، ومع ذلك فإن هذا المسار يضع النظام أمام مخاطر استراتيجية طويلة الأمد؛ إذ يؤدي التوسع في أحكام الإعدام مثلما حدث مع عرفان كياني وغيره إلى تجذير الانقسام الشعبي.. كما يحول كل عملية إعدام إلى بؤرة محتملة لاضطرابات جديدة.
إن استخدام القضاء كأداة قمعية حادة قد يحقق نتائج مؤقتة في إخماد الاحتجاجات لكنه في الوقت ذاته يقلص من المساحات السياسية المتاحة للحوار أو الاحتواء.. وبدلاً من أن تؤدي الإعدامات إلى “الاستقرار المرجو” فإنها تساهم في إنتاج “سردية الضحية” التي تتغذى عليها حركات المقاومة مما يجعل المجتمع في حالة غليان كامن بانتظار شرارة جديدة.
نحو قراءة استشرافية
إن المشهد الذي أظهرته نيويورك بوست ليس مجرد واقعة حقوقية عابرة، بل هو مؤشر على تآكل الرصيد السياسي الذي يعتمد عليه النظام في ممارسة سلطته.. وفي العلوم السياسية تُعرف هذه الحالة بـ”أزمة الشرعية” حيث تفقد المؤسسات الحاكمة قدرتها على الإقناع فتلجأ إلى العنف كخيار وحيد للبقاء.
إن استمرار هذا النهج في ظل الأزمات الاقتصادية والتوترات الإقليمية يجعل من المعادلة الإيرانية الداخلية أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
ختاماً.. يثبت التاريخ أن الأنظمة التي تحول مواطنيها إلى “رموزٍ للتحدي” في مواجهة الموت إنما تضع حجر الأساس لتغييرات جوهرية في بنية الدولة، وحتى إذا نجحت القبضة الأمنية في المدى القصير فإن التاريخ يخبرنا أن شرعية السلطة لا تُبنى فوق المشانق بل تُبنى من خلال القدرة على استيعاب تطلعات المجتمع، وقد أدى هذا المسار إلى تعميق الهوة بين الدولة في إيران وشريحة الشباب لتغدو معها فرص التوافق السياسي ضرباً من الاستحالة في المدى المنظور.



