مرثاة لرجل الموقف والفعل فياض حيدر..

“المدارنت”..
ما الموت؟ إنّ الموت ليس نهايــــةً لمن ارتَدوْا في الموتِ ثوبَ بقاءِ
ما الموتُ إلاّ أن تمـوتَ ولا يــــــدٌ تومي إليك بمنجَزِ وعطـــــــــاءِ
والعمرُ أن يحميهِ موتُـــــكَ عندمـا يدنو من الأعمــــار جَرْسُ فناءِ
والموتُ عند الخالدين قيامــــــــــةٌ والعيشُ مثل الموت في الجبنـاءِ
من كان مثلك ليس يُدفنُ في الثرى إن الصدورَ مقابــــــــرُ العظماءِ
ها أنت في الصفِّ المقــــدَّمِ بينـنـا إنّ الحضورَ يُقاسُ بالسيمـــــــاءِ
فيّاضُ ما فاضت عيونُ بقاعِنــــا إلاّ وكنـــتَ بفيضِها المعطـــــاءِ
تعطي وتسخو والكريمُ بطبعــــهِ يُعلي الجَدا عن حالةِ استجـــداءِ
يعطي الكريمُ كأنما هو آخــــــذٌ ما كلُّ من يعطي دليـــــلَ سخاءِ
لا، إنَّ موتَــــــكَ لم يكنْ حتميةً ما دمتَ أنت تعيشُ في الأحيــاءِ
أعطيْتَ شعبَكَ كلَّ ما تسطيعُــه والموتُ يُمحَـى في يدٍ وعطـــاءِ
وعلى الزنود رأيتُ نعشك حاملاً من أرض قبِّ اليـاس كلَّ وفـاءِ
المجدُ أن يعطيكَ شعبُكَ حبّـــــهُ من دون صفْقاتٍ ودون ريــــاءِ
أن تشهدَ الساحـــــاتُ أنكَ ربُّها ويدلُّكَ المبنى على البَنَّـــــــــــاء
والمجدُ أن تغدو لشعبـكَ خادماً لا حاكماً بأظافرٍ حمــــــــــــراءِ
بأظافرٍ مثلَ الظُبى مسنونــةٍ حمراءَ صارت من دم الفقـــراءِ
*****
وسألتُ قبَّ الياس أين ضريحُــهُ قالــــت بأعلـــــــــى القمّـــةٍ الشمّاءِ
حَضَنتْكَ قبُّ الياس يا ابن ترابها وهوائها وحقولِـــها الغنّـــــــــــــاءِ
أضلاعها تحنو عليك كأنـــــــها أمٌّ على طفـــلٍ غفا بِهَنــــــــــــــاءِ
وتقول قبُّ الياس إنك حاضـــرٌ في الناس في الساحات في الأضواءِ
ومن الحياة الموتُ أحيانــــاً إذا احــــــتاجَ الطريقُ لموقفٍ وفــــِـــــداءِ
*****
ورجعتُ أبحثُ عنك في صدري وفي تلك الوجــــوه الحانيات إزائي
ما أصعبَ السيرَ المراوغَ كلمــــــــا غَــدَت الدروبُ كثيرةَ الأخطاءِ
سافرتُ في جرحي وليس بحوزتـي إلاّجوازُ عروبتـــــــــي وإبائي
ربطوا يديَّ ولا تزالُ أناملـــــــــي تأبى كتابةَ غيرِ ما أنا رائـــي
متسربلاً بقصائدٍ ممنوعـــــــــــــةٍ تمتدُّ من زاخو إلى صنعـــــاءِ
*****
ماذا أقول بيومِ جرحك يا أخــــي موْتى تولّوْا إمْرةَ الأحيـــــــــاءِ
ماذا أحدِّث عن مواجـــــــــعِ أمةٍ باعتْ أبرَّ خيولِهـــــــــــا بإماءِ
أرأيت يا فيّاضُ كم جعنــــــا إلى وطن بلا عَسَسٍ ولا زعمــــاء
يتجمّعون على موائد غيرهـــــم مثلَ الذبابِ يحومُ فوق إنـــــاء
هـــم بيـننا لكنهـــــــمْ ما بيــنــنا ما أبشعَ الأمواتَ في الأحيـــاءِ
عرِّجْ على بغدادَ واسألْ نخلَهـــا عن كل مخضوب الرداء فدائي
بغدادُ يا ابنةَ والدي لا تبعــــدي بيني وبينك كان عهد وفـــــاءِ
مازال نهرُكِ في عروقي ماؤهُ ونخيله يمتـــــــدُّ في أعضائي
والقدسُ كم تاقتْ لفاروقِ، ولم تبصرْ سوى موْسوعةِ العملاء
كنا عروبيّين لمّا زارها الـــــفاروقُ فوق الناقة العجفــــاءِ
كلُّ العواصمِ يا أخـــي مقهورةٌ من طولِ ما عانت من الزعماءِ
لم يرتفعْ منهم لنعلكَ واحــــــدٌ كانوا حذائي همْ، وليس حذائي
أشتاق أن ألقى زعيماً واحـــداً ما كان محكوماً من الغربـــاءِ
الرّاسخون على الكراسي عنوةً وعلى مبادئنــــــا رسوخَ الداءِ
السارقون جراحنا وضمادهـــا والمتخَمون بلقمـــــــــة الفقراءِ
وعلى الفضائيّات من شُبُهاتهمْ يتلوَّنون تَلَوُّنَ الحِربــــــــــــاءِ
إنا لفي زمنٍ، وأبرهةٌ بــه بأبي رغــــــالٍ رام سرَّ بقائي
من عظمنا صنعوا كراسي مجدهم وبيوتُهمْ بُنِيَتْ من الأعضاءِ
لا بدَّ أن تخصي العروبةُ زمرةً كافورُ أفْحَلُها أبو البيضــــــاء
إنا لفي زمنٍ يكادُ لزَيْفِـــــهِ فيه يصــــلّي الذئبُ بين الشاءِ
*****
هم ظاهروك، لأنهم لم يؤمنوا ولأنهم كانوا من الطلقـــــــــاءِ
أكبرتُ فيك عروبةً مغسولـــةً من كلِّ مصبـــــــوغٍ بها زَنّاءِ
فيّاضُ، لم تحنِ العروبةُ رأسها لأبي رغالٍ خائنِ البطحـــــاءِ
إن العروبة يا أخي موجــــودة بحجارةِ الأطفال والشهـــداءِ
أبكي على بعضي لأنكَ فيَّ من جيلٍ عروبته اغتنتْ بنقــاءِ
إيمانُ أهلِ الأرض ليس بنافعٍ ما لم يُصَنْ بالقـوةِ الحمراءِ.
==================
قصيدة القاها الشاعر عمر شبلي/ لبنان.. في الذكرى السنوية لرحل القائد الناصري الأخ فياض حيدر.



