مقالات

مرجعية القرآن من النصّ الحاكم إلى الميزان المُحرِّر.. الجزء (2)

د. حسين ديب/ لبنان

خاص “المدارنت”

المرجعية بين الميزان والوصاية
إذا كان القرآن قد حسم، نصّيًا، منطلق الحكم والتشريع ومرجعيته الإلهية، فإن الإشكال الحقيقي لا يظهر عند هذا الحدّ، بل عند الانتقال من المرجعية إلى الممارسة. فهنا تحديدًا يقع الخلط الذي شكّل، تاريخيًا، أصل الانحراف: الخلط بين الاحتكام إلى القرآن بوصفه ميزانًا، والادّعاء بتمثيله بوصفه سلطة.
فالمرجعية، في منطق القرآن، ليست جهازًا يُمارس الحكم، ولا جهةً تحتكر الفهم، ولا وصايةً تُفرض على الناس باسم النص. بل هي معيار تقويم يعرض عليه الفعل الإنساني، فرديًا وجماعيًا، ليُوزن بميزان العدل والحق. ولهذا لم يُعطِ القرآن أحدًا صفة العصمة في الفهم، ولم يمنح جماعةً حقّ الحديث باسمه، بل أبقى النصّ فوق الجميع، لا في يد أحد.
غير أنّ التاريخ الديني، حين فصل بين النصّ ووظيفته، حوّل المرجعية من ميزان يُحتكم إليه إلى سلطة تُمارَس؛ فانتقل السؤال من: هل هذا الفعل عادل؟ إلى: من يملك حقّ القول؟، ومن محاسبة السلوك الى تحصين المتكلّم. وهكذا لم تعد المرجعية أداة تحرير من الظلم، بل غدت أداة ضبطٍ وقهرٍ باسم الشرع.
ويكشف القرآن هذا الانزلاق حين ينفي عن الرسول نفسه صفة السيطرة والهيمنة، رغم كونه حامل الوحي، فيقول: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾. فإذا كانت وظيفة النبي هي البلاغ والتذكير لا الإكراه والوصاية، فإن ادّعاء غيره سلطةً تشريعية أو أخلاقية مطلقة باسم القرآن يصبح مفارقة نصّية صارخة.
ومن هنا، فإن المرجعية القرآنية لا تعمل بمنطق الإلزام القسري، بل بمنطق المساءلة الأخلاقية؛ لا تُسقط المسؤولية عن الإنسان، ولا تُنيبه عنها جهةٌ دينية أو سياسية. فالاحتكام إلى القرآن لا يعني تعطيل العقل، بل تحريره من التبرير؛ ولا يعني إلغاء التعدّد، بل منع تحوّله إلى ظلم؛ ولا يعني فرض الفضيلة، بل منع الإضرار.
بهذا المعنى، يصبح الفرق حاسمًا بين مرجعيةٍ تُقاس بها القوانين والسياسات، ووصايةٍ تُفرَض باسم الدين. الأولى تحفظ للقرآن مقامه الميزاني، وتبقيه فوق الصراع؛ أما الثانية فتزجّ به في معترك السلطة، وتحوّله من نصّ هادٍ إلى أداة شرعنة. والقرآن، في منطقه الداخلي، لا يقبل أن يكون غطاءً للسلطة، بل معيارًا لمحاسبتها.

الحكم في القرآن: قيمة لا جهاز سلطة
حين يقرّر القرآن أن الحكم لله، فإنه لا يؤسّس بذلك جهازًا سياسيًا، ولا يرسم بنية دولة، ولا يمنح أحدًا تفويضًا سلطويًا باسم السماء، بل يحدّد طبيعة الحكم بوصفه قيمةً معيارية تُقاس بها الأفعال والسياسات، لا أداةَ سيطرة تُمارَس على الناس. فالحكم، في منطق القرآن، سابق على الدولة، وأعلى من السلطة، وأوسع من أي نظام سياسي بعينه.
ويظهر هذا المعنى بوضوح في استعمال القرآن لمفهوم الحكم؛ إذ لا يرد بوصفه ممارسةً إدارية أو تقنية، بل بوصفه فصلًا بالحق وقيامًا بالقسط. يقول تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، ويقول: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. فالآية الأخيرة لا تُخاطب حاكمًا بعينه، ولا نظامًا محددًا، بل تخاطب كل من وُضع في موقع الفصل بين الناس، وتربط الحكم بفعل العدل لا بموقع السلطة.
ومن هنا، لا يكون الحكم في القرآن امتيازًا سياسيًا، ولا وظيفةً سيادية تُكسب صاحبها قداسة، بل مسؤولية أخلاقية تُحاسَب بقدر ما تحقّق من عدل أو تُخلِف من ظلم. ولذلك لم يمنح القرآن الحاكم حصانة، ولم يُقرّ عصمةً لسلطة، بل جعل ميزان التقويم هو الأثر الواقعي للحكم في حياة الناس. فالسلطة التي تظلم لا تصبح عادلة لأنها دينية، كما أن الحكم الذي يقيم القسط لا يفقد مشروعيته لأنه لا يرفع شعارًا دينيًا.
ويتعزّز هذا الفهم حين نلاحظ أن القرآن لم يربط الحكم بشكلٍ مؤسسيٍّ بعينه، فلم يحدّد طريقة تولّي السلطة، ولا شكل الدولة، ولا آليات تداول الحكم، بل ترك هذه المجالات للاجتهاد الإنساني المتغيّر، واضعًا في المقابل معايير ثابتة لا يجوز تجاوزها، في مقدّمتها العدل، وعدم الإضرار، وصون الكرامة الإنسانية. وبهذا يفصل القرآن بين القيمة التي لا تتبدّل، والأداة التي تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان.
كما يرفض القرآن صراحةً تحويل الحكم إلى أداة إكراه أخلاقي أو عقدي، إذ يقرّر أن وظيفة الخطاب الديني ليست السيطرة، بل البلاغ والتقويم. فالرسول نفسه، وهو حامل الوحي، نُفيت عنه صفة الجبر والهيمنة، فقيل له: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾، و﴿مَّا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾. فإذا كان هذا حدّ وظيفة النبي، فإن تحويل الحكم إلى جهاز يفرض القيم بالقوة باسم الدين يُمثّل خروجًا عن منطق القرآن، لا امتدادًا له.
وعليه، فإن الحكم في القرآن ليس “من يحكم”، بل كيف يُحكَم؛ ليس اسم النظام، بل أثره في الإنسان؛ وليس رفع الشعار، بل تحقيق القسط. وبقدر ما يقترب الحكم من هذه القيم، يقترب من المعنى القرآني، وبقدر ما ينفصل عنها، يفقد مشروعيته مهما كانت لغته أو مرجعيته المعلنة.
بهذا الفهم، يستعيد الحكم موقعه الطبيعي بوصفه أداة خدمة للإنسان لا غايةً بذاتها، وميزانًا أخلاقيًا يُحاسِب السلطة بدل أن يحميها. فالقرآن لا يقدّس الحكم، بل يُخضعه للميزان، ولا يمنح السلطة شرعيةً مسبقة، بل يربطها دائمًا بما تُنتجه من عدل أو ظلم.

ما الذي شرّعه القرآن، وما الذي تركه للاجتهاد الإنساني
يتميّز التشريع القرآني ببنيةٍ منهجيةٍ دقيقة تقوم على التفريق الواعي بين المبادئ التي يجب تثبيتها بوصفها أساس الحكم، وبين المجالات التي تُترك عمدًا للاجتهاد الإنساني. فالقرآن لم يأتِ ليضبط الحياة الإنسانية في تفاصيلها الإجرائية، ولا ليقدّم منظومة قوانين تقنية مكتملة، بل ليضع مرجعية قيميّة عليا تُحتكم إليها عند التشريع والتنظيم والتقويم.
فما شرّعه القرآن صراحةً هو المبادئ الكلّية التي لا تقوم حياة إنسانية عادلة دونها، وفي مقدّمتها العدل والقسط ومنع الظلم وصون الكرامة الإنسانية. يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90)، ويقول في تقرير قاعدة القسط في الحكم بين الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا﴾ (النساء: 135).
كما يربط القرآن مشروعية أي حكم أو سلوك بحفظ كرامة الإنسان، بوصفها قيمة سابقة على الانتماء والدين، فيقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70).
فهذه النصوص لا تضع آليات تنفيذ ولا نماذج مؤسسية، بل ترسم حدودًا أخلاقية قطعية لا يجوز للتشريع البشري تجاوزها. ومن هنا، فإن ما ثبّته القرآن ليس “كيف يُحكم”، بل بماذا يُقاس الحكم.
في المقابل، يلاحظ أن القرآن سكت سكوتًا مقصودًا عن تفاصيل واسعة تتعلّق بشكل الدولة، ونظام الحكم، وآليات التشريع، وإدارة الشأن العام، وتفاصيل المعاملات المتغيرة. وهذا السكوت لا يمكن تفسيره على أنه نقص في البيان، بل هو اختيار تشريعي واعٍ، يهدف إلى إبقاء المجال مفتوحًا أمام العقل الإنساني ليجتهد في ضوء الواقع المتغيّر. ويؤكّد هذا المعنى توجيه القرآن المتكرر إلى التعقّل والتدبّر والمشورة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، وقوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر: 2)، فلو كان المقصود فرض نماذج جاهزة للتنظيم السياسي والاجتماعي، لما أُحيل الإنسان إلى الشورى والاعتبار، ولما تُركت هذه المجالات بلا تحديد نصّي مباشر.
ومن هنا، لا يكون الاجتهاد البشري خروجًا عن المرجعية القرآنية، بل جزءًا أصيلًا من تفعيلها، ما دام يتحرّك داخل إطارها القيمي. فالقرآن لا ينافس العقل، ولا يصادره، بل يُحمّله مسؤولية التنزيل العادل. وكل تشريع أو سياسة أو نظام يُنتَج بشريًا لا يُقاس بمدى رفعه لشعار ديني، بل بمدى التزامه بهذه القيم القرآنية العليا. ويؤكّد القرآن هذا المعنى حين يجعل معيار الصلاح هو الأثر لا الادّعاء، فيقول: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: 85)، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: 57).
وعليه، فإن الخلل لا يقع حين يجتهد الإنسان في تنظيم شؤونه، بل حين يُحوِّل اجتهاده إلى تشريع مقدّس يُنسب إلى الله بغير إذن، أو حين يُفرغ المرجعية القرآنية من مضمونها الأخلاقي بدعوى الحداثة أو النسبية. والموقف القرآني المتوازن يقوم على الجمع بين الأمرين: مرجعية إلهية ثابتة في المبدأ، واجتهاد إنساني متغيّر في التطبيق، دون أن يبتلع أحدهما الآخر.
وبهذا الفهم، ينتقل السؤال من كونه سؤال هوية: هل هذا التشريع ديني أم مدني؟، إلى كونه سؤال قيمة: هل هو عادل أم ظالم؟ هل يحفظ كرامة الإنسان أم ينتهكها؟ وهذا التحوّل في السؤال هو، في ذاته، أحد أهم مقاصد المرجعية القرآنية.

المرجعية القرآنية والتطبيق الاجتماعي
إذا كانت المرجعية القرآنية قد حدّدت منطلق الحكم والتشريع، ورسمت حدوده القيمية العليا، فإن السؤال العملي الذي يفرض نفسه هو: كيف تُفعَّل هذه المرجعية في الواقع الاجتماعي المتعدّد دون أن تتحوّل إلى أداة إقصاء أو وصاية؟
ويجيب القرآن عن هذا السؤال لا عبر فرض نموذج اجتماعي واحد، ولا عبر صهر التنوّع الإنساني في قالبٍ موحَّد، بل عبر تقويم العلاقات الإنسانية بمعايير أخلاقية كونية تجعل من العدل والكرامة ومنع الظلم مقياسًا وحيدًا للتطبيق.
ينطلق القرآن في خطابه الاجتماعي من الإنسان بوصفه قيمةً أصلية سابقة على كل هوية، ولذلك جاء النداء العام قبل أي توصيف عقدي أو ثقافي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فالتعدّد هنا حقيقة وجودية مقصودة، لا خللًا ينبغي إزالته، ومعيار التفاضل ليس العرق ولا الطائفة ولا الانتماء، بل القيمة الأخلاقية المتجلّية في السلوك.
ومن هذا المنطلق، لا تعمل المرجعية القرآنية على إلغاء التعدّد أو تحييده، بل على منع تحوّله إلى ظلم أو صراع. فالاختلاف في ذاته ليس مشكلة، وإنما المشكلة في توظيفه للهيمنة أو الإقصاء.
في التطبيق الاجتماعي، لا يطلب القرآن من الدولة أن تتبنّى هوية عقدية، ولا من المجتمع أن يُفرَض عليه التدين، بل يطلب تحقيق القسط بين الناس. يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. فالخطاب موجّه إلى كل من يتولّى الحكم، أيًّا كان شكله أو نظامه، دون اشتراط مرجعية هويّاتية. ويؤكّد القرآن هذا المبدأ حين يجعل العدل واجبًا حتى مع المختلف أو الخصم: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. وبذلك، لا تُقاس شرعية القوانين بشعاراتها، بل بآثارها الواقعية في حياة الناس.
وتتجلّى عالمية المرجعية القرآنية بأوضح صورها حين ننتقل من النصّ المعياري إلى المنهج القرآني في قراءة التاريخ الإنساني. فالقرآن، في عرضه لقصص الأمم السابقة، لا يُحاسب الناس على أعراقهم، ولا على طوائفهم، ولا على أنظمتهم السياسية أو الإدارية، بل يجعل المحاسبة مرتبطة بالمنظومة القيمية التي حكمت سلوكهم الجمعي.
يقول تعالى في قاعدة جامعة تحكم السرد القرآني: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾. فالسبب المعلن للهلاك هو الظلم، لا الاختلاف العقدي ولا التنوّع البشري.
فقوم نوح لم يُهلكوا لانتمائهم، بل بسبب تراكم الخطيئات السلوكية ورفض الإصلاح: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾. وعاد وثمود لم يُدانوا لامتلاكهم قوة أو عمرانًا، بل لانفصال القوة عن العدل وتحولها إلى بطش واستعلاء: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾. وفي مدين، كان الخلل اقتصاديًا–قيميًا، لا عقديًا: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ۝ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾. أما النموذج الفرعوني، فيُدان لأن الدولة تحوّلت إلى أداة تفكيك واستعباد: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ﴾.
ويُغلق القرآن هذا المسار القصصي بقاعدة فاصلة: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. وهي آية حاسمة؛ لأنها تنفي الهلاك عن أي مجتمع قائم على الإصلاح، بصرف النظر عن هويته أو نظامه أو انتمائه.
بهذا المعنى، لا تعمل المرجعية القرآنية في التطبيق الاجتماعي بمنطق الفرض والإكراه، بل بمنطق التقويم والمساءلة؛ لا تُنتج مجتمعًا متشابهًا، بل مجتمعًا عادلًا رغم اختلافه؛ ولا تصنع دولة دينية، ولا مجتمعًا بلا قيم، بل تضع الإنسان وكرامته في مركز الحكم والتشريع.
فكل ممارسة اجتماعية أو قانونية: تحمي الإنسان بوصفه إنسانًا، وتصون حقّه في الاختلاف، وتمنع الظلم والاعتداء، وتُخضع السلطة للمساءلة، تكون أقرب إلى المرجعية القرآنية، ولو لم تُرفع تحت شعار ديني. وعلى العكس، فإن أي ممارسة تُقصي أو تُكرِه أو تُبرّر الظلم باسم الدين، تكون أبعد عن القرآن، ولو استندت إلى نصوصٍ مجتزأة.
ختاما، تتجلّى المرجعية القرآنية في التطبيق الاجتماعي بوصفها ميزانًا أخلاقيًا كونيًا، يُحاكم الأفراد والمجتمعات والدول بما تُنتجه من عدل أو ظلم، لا بما ترفعه من شعارات أو انتماءات. وهكذا، لا يكون التعدّد الإنساني نقيضًا للمرجعية القرآنية، بل مجال اختبارها الحقيقي.
وبهذا، تُستعاد المرجعية القرآنية في معناها الأصلي: ميزانًا يُقاس به الحكم، لا سلطةً تُمارَس باسمه؛ إطارًا قيميًا جامعًا، لا هويةً إقصائية؛ ومبدأً مُحرِّرًا، لا أداةَ ضبط. وحيثما استقام هذا الميزان في الوعي والسلوك، استقام أثره في المجتمع والحكم.

(إنتهى)
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى