من «فتنة تشرين» إلى حصر السلاح في العراق.. لماذا يستدعى العامري ذاكرة الدم الآن؟
“المدارنت”
لم يكن وصف هادي العامري احتجاجات تشرين بأنها «فتنة» مجرد زلة لسان لرجل سياسي يستعيد، بعد سبع سنوات، واقعة خلافية من الماضي. فالعبارة الأهم في حديثه لم تكن الوصف ذاته، على ما يحمله من استفزاز لذاكرة آلاف العائلات العراقية، بل قوله إن «المقاومة وقفت بشجاعة أمام فتنة تشرين وحفظت الدولة والنظام السياسي». إنها جملة ينبغي أن تقرأ في زمنها السياسي الراهن، لا في سياق أحداث 2019 وحدها. فالسؤال الأكثر أهمية ليس لماذا تحدث العامري عن تشرين الآن، وإنما لماذا احتاج إلى تذكير الدولة بأن الفصائل هي التي حمت نظامها عندما اهتز تحت ضغط الشارع؟
التوقيت هنا يكاد يكون جزءا من التصريح، فحكومة علي الزيدي وضعت حصر السلاح بيد الدولة ضمن أولويات برنامجها، وحددت نهاية سبتمبر موعدا فاصلا في التعامل مع السلاح الخارج عن سلطتها، بالتزامن مع إنهاء الوجود العسكري للتحالف الدولي، بل إن ائتلاف إدارة الدولة، الذي يضم أبرز القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية، كان قد حذر من أن أي نشاط مسلح خارج إطار الدولة بعد الثلاثين من سبتمبر سيعامل وفق قانون مكافحة الإرهاب. بهذا المعنى، لم يستدع العامري تشرين من فراغ، وإنما في اللحظة التي انتقل فيها ملف السلاح، ولو نظريا، من منطقة التعايش السياسي الرمادية إلى اختبار يتعلق بمعنى الدولة وسيادتها.
هنا تصبح جملة «نحن من أوقفنا تشرين» ـ وهذا هو معناها السياسي بصرف النظر عن الصياغة الحرفية رسالة مزدوجة. فهي من جهة تعيد تعريف وظيفة «المقاومة»: ليس بوصفها قوة لمواجهة عدو خارجي فحسب، وإنما قوة تدخلت عندما تعرض النظام السياسي نفسه للخطر. ومن جهة ثانية تُذكّر شركاء الحكم بأن السلاح المطلوب حصره اليوم هو، وفق هذه الرواية، السلاح ذاته الذي ساهم بالأمس في حماية النظام الذي يحكمون من خلاله.
وهذه نقطة بالغة الخطورة، لأنها تنقل النقاش من شرعية امتلاك السلاح إلى وظيفة هذا السلاح داخل المجتمع. وإذا كان العامري يقول إن «المقاومة» وقفت أمام تشرين وحفظت النظام، فمن المشروع أن يسأل العراقيون: بأي وسائل حدث ذلك؟ ومن كان «الطرف الثالث» الذي ظلت الحكومات تتحدث عنه سنوات من دون أن تسميه؟ تصريح العامري لا يشكل حكما قضائيا ولا يكفي وحده لإسناد المسؤولية الجنائية عن قتل المتظاهرين، لكنه يمنح السؤال القديم ثقلا سياسيا جديدا، خصوصا أن تشرين خلفت مئات القتلى وآلاف الجرحى والمختطفين والمغيبين، وبقي ملف المسؤولية عن جانب مهم من تلك الانتهاكات مفتوحا حتى اليوم.
لكن استدعاء تشرين يبدو، في اللحظة الراهنة، جزءا من معركة أكبر عنوانها تفريغ مفهوم «حصر السلاح» من مضمونه. وقد جاءت تصريحات نوري المالكي لتجعل الصورة أكثر وضوح، فالمالكي لم يعد يتحدث عن «نزع» السلاح، وإنما عن «تنظيم واحتواء» السلاح، مبررا ذلك بأن وصف الطرف الآخر بأنه «منزوع السلاح» له «أثر نفسي وعملي». وذهب أبعد من ذلك عندما فتح باب التمييز بين السلاح الثقيل والمتوسط والخفيف، وبين الحفظ والاحتواء والسحب وغيرها من التسميات. المشكلة ليست لغوية بالتأكيد، عندما تتحول «حصرية السلاح بيد الدولة» إلى «تنظيم السلاح» بالتفاوض بين الحكومة والفصائل، نكون أمام تغيير في جوهر المشروع، لا في مفرداته. حصر السلاح يعني، من حيث المبدأ، وجود مركز شرعي واحد يملك قرار استخدام القوة. أما تنظيم وجود قوى مسلحة موازية، فمعناه البحث عن صيغة جديدة للتعايش بين مركزين أو أكثر للقوة. وهنا يتحول السؤال من: متى تستعيد الدولة احتكارها للسلاح؟ إلى، ما مقدار السلاح الذي يمكن للفصائل الاحتفاظ به، وتحت أي عنوان؟
واللافت أن عملية إعادة التعريف هذه تتسع كل يوم بشروط جديدة، فالقيادي في ائتلاف دولة القانون جاسم محمد جعفر، تحدث عن الحاجة إلى الوقت والضمانات، وعن مصير مقاتلي الفصائل وعدم ملاحقتهم، وربط النقاش بوجود القوات التركية، وبما وصفه بالتحالف السعودي ـ التركي ـ الباكستاني وإمكان ارتباطه بفصائل سنية في العراق أو سوريا. ثم وصل الأمر إلى القول صراحة إنه «لا يوجد لدينا تاريخ مقدس للحصر»، رغم الموعد الذي أعلنته الحكومة.
وهكذا يمكن صناعة سبب جديد لبقاء السلاح كلما سقط السبب السابق. كان الوجود الأمريكي مبررا، وعندما يقترب من نهايته تظهر تركيا وسوريا و«داعش» والتحالفات الإقليمية واحتمالات الحرب مع إيران. وقد تظهر غدا ذريعة أخرى. وبذلك لا يعود السلاح استجابة لخطر استثنائي له بداية ونهاية، بل يتحول إلى مؤسسة دائمة تبحث باستمرار عن الخطر الذي يبرر استمرارها.

من هذه الزاوية يمكن فهم التتابع اللافت بين كلام العامري وكلام المالكي. الأول يستدعي الماضي ليقول إن الفصائل حمت النظام، والثاني يعيد تعريف المستقبل بحيث لا يكون المطلوب نزع سلاحها، بل «تنظيمه واحتواؤه». وبين الخطابين تتشكل معادلة سياسية واضحة: لا تتعاملوا مع الفصائل باعتبارها مشكلة ينبغي للدولة إنهاؤها، بل باعتبارها شريكا في حماية النظام ينبغي التوصل معه إلى تسوية، ولذلك فإن الدعوات التي ظهرت بعد تصريح العامري إلى عودة الشارع للاحتجاج، تحتاج رغم مشروعية الغضب، إلى قراءة شديدة الحذر.
فالمصدر الذي تناول ردود الفعل نقل بالفعل مطالبات بتحرك القضاء، وفتح تحقيق، كما أعاد التأكيد أن مطالب تشرين في مواجهة الفساد والمحاصصة ما زالت قائمة. لكن تحويل الغضب الآن إلى حركة احتجاج واسعة قد ينتج مفارقة مؤلمة: أن يخدم، من حيث لا يريد المحتجون، القوى الأكثر تضررا من حملة الحكومة على الفساد ومن مشروع حصر السلاح.
ففتح جبهة شارع كبرى في هذه اللحظة سيغير جدول الأولويات فورا، ستنتقل الكاميرات من ملفات الفساد إلى ساحات الاحتجاج، وستنتقل الحكومة من موقع المبادرة إلى إدارة الأزمة، وسيعود خطاب «حماية الدولة والنظام» الذي استدعاه العامري إلى العمل مرة أخرى. والأسوأ أن القوى التي تريد تعطيل إجراءات الحكومة قد تجد في الفوضى السياسية فرصة لإعادة خلط الأوراق، بحيث يصبح السؤال العام: كيف نحافظ على الاستقرار؟ بدلا من:
من سرق الدولة، ومن يحتكر قرار السلاح خارجها؟ هذا لا يعني مطالبة العراقيين بنسيان تشرين أو دمائها، ولا منح أي متهم حصانة سياسية. العكس تماما. تصريحات العامري ينبغي أن تتحول إلى مادة للمساءلة القضائية والتحقيق المؤسسي، لا إلى ذريعة لاستدراج الشارع إلى مواجهة قد تعيد إنتاج المأساة نفسها. وقد طالب ناشطون بالفعل الادعاء العام بالتحرك، معتبرين أن الحديث عن دور «المقاومة» يفرض إعادة فتح ملف المسؤولية عن العنف، الذي رافق الاحتجاجات، فالعدالة لضحايا تشرين لا تتحقق بتشرين دموية أخرى، وإنما بكسر الحلقة التي جعلت السلاح السياسي فوق المحاسبة طوال السنوات الماضية.
ولهذا قد يكون الرد الأكثر إزعاجا لمن استدعى «فتنة تشرين» اليوم هو ألا يسمح العراقيون بتحويل تشرين إلى فخ سياسي جديد. فالمعركة الحقيقية في الأسابيع المقبلة ليست بين ذاكرة تشرين وخصومها، بل بين مفهومين للدولة: دولة تحتكر القانون والسلاح وتحاسب الفاسدين، ودولة تتفاوض مع قوى مسلحة على مقدار السيادة التي يسمح لها بممارستها.
لقد أراد العامري أن يذكّر الجميع بمن «حفظ النظام السياسي» عام 2019. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه في سبتمبر 2026 مختلف تماما: هل تستطيع الدولة العراقية أخيرا أن تحمي نفسها بالقانون والمؤسسات، أم أنها ستظل محتاجة إلى من يحمل السلاح خارجها ثم يذكّرها، كلما طالبته بالتخلي عنه، بأنه كان ذات يوم أحد حراسها؟



