مقالات

نظرة على موقع مجتبى خامنئي وواقع نظام “ولاية الفقيه”

السيد مجتبى خامنئي
نظام مير محمدي/ إيران

خاص “المدارنت”

كيف وفي أي ظروف تم تنصيب مجتبى ولياً للفقيه؟
1/ يفتقر مجتبى خامنئي مثل أبيه تماماً، وحتى في إطار القوانين المصطنعة لنظام الملالي نفسه إلى الأهلية الفقهية والمرجعية اللازمة لتبوّأ منصب ولي الفقيه. ولو مات (السيد) علي خامنئي ميتة طبيعية، لكان من الصعب للغاية فرض وتمرير مسألة التوريث الخلافية، ولكان النظام قد واجه بلا شك أكبر تحدٍّ يهدد بقاءه في تاريخه؛ غير أن الظروف الحرجة والحروب الأخيرة حالت دون تفعيل صراع الأجنحة داخل السلطة بشكل علني على خلافة خامنئي.

2/ لقد كشف الملا قمي، عضو مجلس خبراء القيادة، بعد تنصيب مجتبى، أن 25 عضواً من أصل 84 من نظام الخبراء لم يشاركوا في الاجتماع المخصص لتعيين خليفة لعلي خامنئي. كما أن 15 عضواً من بين الـ59 الحاضرين الذين شاركوا في التصويت قد صوّتوا بـ”لا” ضد مجتبى، لينصب الأخير بـ44 صوتاً فقط. وهذا يعني، في أفضل “السيناريوهات” الممكنة، أن مجتبى خامنئي تم تنصيبه بالاعتماد على أصوات 52% فقط من إجمالي أعضاء مجلس الخبراء، وفي جلسة غير رسمية من دون اتباع الإجراءات والآليات القانونية والدستورية المعمول بها في المجلس.

وقد سارع الحرس الثوري والتيار المهيمن إلى إعلان هذا التنصيب، في حين هاجم الحرسي حسين شريعتمداري الأصوات المعارضة كالعادة قائلاً: «آية الله السيد مجتبى خامنئي، هو اختيار الإمام صاحب الزمان، وليس مجلس الخبراء!».

3/ وبعبارة أخرى، يمكن القول إنه على الرغم من أن مقتل علي خامنئي قد حرم النظام من “عمود خيمته” وشكّل ضربة استراتيجية وقاصمة لكيانه، إلا أن مناخ الحرب ساعد بقايا السلطة على تسوية مسألة الخلافة وترقيعها خلف الأبواب المغلقة. وهنا يطرح السؤال الاستراتيجي نفسه: هل يستطيع مجتبى تثبيت موقعه كما فعل أبوه من قبل؟

هل يستطيع مجتبى تثبيت موقعه؟
إن الإجابة عن هذا السؤال من المنظور الاستراتيجي هي “النفي”؛ وذلك لأن موقع مجتبى كولي جديد للفقيه، يختلف جوهرياً وبشكل بنيوي عن الظروف التي رافقت صعود أبيه إلى السلطة عام 1989، عقب وفاة (الإمام) الخميني. فقد كان خامنئي الأب، يمتلك آنذاك ظروفاً وفرصاً مكنته من تثبيت أركان حكمه، ومنها:

– التفاف رفسنجاني وبقية أجنحة النظام المستفيدة حول خامنئي في ذلك الوقت، وذلك بدافع الذعر المفرط من عمليات منظمة مجاهدي خلق وجيش التحرير الوطني الإيراني، من أجل إنقاذ السلطة برمتها من الانهيار.

– قيام الخميني قبل وفاته بحسم ثلاثة ملفات وتناقضات كبرى وقاتلة لصالح خامنئي:

    • أولاً: تسوية مسألة الخلافة عبر عزل آية الله منتظري، مما أغلق أكبر شرخ داخلي في بنية النظام.
    • ثانياً: حسم ملف الحرب مع العراق من خلال قبول وقف إطلاق النار وتجرع “كأس السم”.
    • ثالثاً: احتواء المجتمع مؤقتاً عبر ارتكاب المجزرة الرهيبة والدموية بحق ثلاثين ألفاً من السجناء السياسيين من مجاهدي خلق والمناضلين في صيف عام 1988، مما أحدث صدمة اجتماعية ثقيلة وأقام خطاً دفاعياً للنظام بوجه الانتفاضة.

أما في واقع الأمر، فإن موقع مجتبى خامنئي يختلف بنسبة 180 درجة عن وضع أبيه:
– عدم تثبيت الخلافة: لقد ارتقى مجتبى إلى هذا العرش في خضم حالة من الفوضى والارتباك الداخلي الناجم عن الحرب. ومع انقشاع غبار الحرب، سيوضع منصبه فوراً على طاولة تصفية الحسابات بين الأجنحة المتصارعة. وحتى في هذه الأيام، وفي خطوة غير مسبوقة، فرض التلفزيون الرسمي (التابع لجناح سعيد جليلي) رقابة على الرسالة الأخيرة لمجتبى ورفض قراءتها أو بثها.

– تأرجح الحرب مع أمريكا: يضع هذا المأزق مجتبى في موقع شديد الخطورة؛ فهو في هذه المعارك الخارجية لا يمتلك أي فرصة لتحقيق النصر، وفي الوقت عينه لا يقوى على تحمل تبعات التراجع أو تجرع “كأس سمّ” جديد.

– جهوزية المجتمع وموقع المقاومة: إن وضع الجماهير اليوم لا يمكن قياسه مطلقاً بعام 1988؛ فالشعب قد تخطى أوهام ما يسمى بـ”التيار الإصلاحي” والخطوط الانحرافية كافة، وتجاوز بنجاح انتفاضات سراسرية عديدة. والأهم من ذلك كله، هو تثبيت “وحدات المقاومة” كعنصر فاعل وحاسم في قلب المدن الإيرانية، مما يحرم النظام من القدرة على توجيه صدمة جديدة للمجتمع (على غرار مجزرة 1988) أو إخماد جذوة جيش التحرير والانتفاضة.

ما هي السوابق المهنية لمجتبى وما هو الخط الذي ينتهجه الآن؟
1/ أدى مجتبى خامنئي طوال العقود الثلاثة الماضية دوراً محورياً وخلف الكواليس في إدارة “بيت المرشد”، لاسيما في القيادة والتنسيق بين الأجهزة الأمنية وإخضاع الحرس الثوري (وهما الركيزتان الأساسيتان لحفظ النظام)، كما كان الآمر والمدبر الرئيسي للقمع الدموي للانتفاضات الأخيرة.

2/ ويرى مجتبى امتداداً لنهج سلفه والخميني، أن بقاء النظام مرهون فقط باستمرار القمع العاري، ولن يتوانى عن ارتكاب أي جريمة أو إعدام أو مجزرة في سبيل الحفاظ على السلطة.

ما هي أكبر التحديات الكلّية التي تواجه مجتبى حالياً؟
يواجه مجتبى اليوم إرثاً مثقلاً بالأزمات المتراكمة، ولكنه يقف وجهاً لوجه أمام ثلاثة تحديات رئيسية وفورية يعجز تماماً عن حلها:

1/ تحديد مصير الحرب والعلاقة مع أمريكا: هذا هو المأزق الذي عجز علي خامنئي عن حسمه في حياته؛ فمجتبى لا يقوى على الاستمرار في هذه المواجهة المدمرة، ولا يملك القدرة على قبول الشروط الدولية؛ لأن أي تراجع من قبله سيفجر نيران الأجنحة المنافسة ضده.

2/ الحفاظ على الانسجام الداخلي للسلطة: يتجه انشقاق الأجنحة بسرعة البرق نحو التمزق النهائ. ولهذا السبب، يركز مجتبى في كل رسائله الأخيرة وبشكل استجدائي على مفهوم “الوحدة”، محذراً البرلمان بقوله: «لا تحولوا الخلافات الفئوية غير المبررة، أو حتى المبررة، إلى نزاع وتفرقة!».

3/ الوضع الانفجاري للمجتمع: يمثل تجاوز الجماهير لخطوط التحمل في تأمين الحد الأدنى من المعيشة، وتخطي معدلات الفقر حاجز الـ 80%، والانهيار غير المسبوق للعملة الوطنية، وتبديد تريليونات الدولارات من ثروات البلاد في المشاريع النووية والصاروخية، الكابوس الأكبر لمجتبى وللنظام بأكمله.

ما هو التقييم الاستراتيجي لواقع النظام الحالي؟
على الرغم من أن مقتل علي خامنئي يعد الضربة الاستراتيجية الأكبر والحدث الأهم للنظام طوال الـ 37 عاماً الماضية، ورغم عجز مجتبى عن حل التناقضات الداخلية، إلا أن هذا الواقع لا يعني “الانهيار التلقائي للنظام من الداخل”.

إن التحليل الواقعي والعلمي لمسار الصراع يشير إلى أن النظام قد شُخّص بضعف شديد، وأن الولي الفقيه الجديد يفتقر إلى الهيمنة اللازمة لضبط الأجنحة المختلفة؛ ونتيجة لذلك، أصبحت حبال التناقضات الداخلية واهية ومترنحة، مما ينهك النظام ويهيئ أرضية خصبة للانتفاضة النهائية. بناءً على ذلك، تتوفر الآن فرصة استثنائية للشعب وللمقاومة المنظمة للاستفادة القصوى من هذه الظروف، والاعتماد على وحدات المقاومة لتوجيه الضربة القاضية وتحقيق سرطنة وإسقاط دكتاتورية ولاية الفقيه.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى