مقالات

هــجـــرة..!

ناجي سعيد/ لبنان

خاص “المدارنت”..

قرأت كتبًا تتعلّق بالفن، حين قرّرت الدخول إلى معهد الفنون الجميلة. وبما أنّ العائلة كانت مهتمّة بالفكر الاشتراكي، لم أجد كتبًا تناقش الفنّ، بعيدًا عن دائرة الفكر الاشتراكي. وإن لم تخنّي الذاكرة، قد قرأتُ كتابًا صغير الحجم والصفحات، لمُفكّر روسي (بليخانوف) ولا أعلم جنسيّته بالضبط، فقد كانت هويّات صغيرة ذائبة في هويّة واحدة، يمكن القول عنها شموليّة، وهي الاتحاد السوفياتي.

وقد كان محور الكتاب الاشتراكي، هو إقناع القارئ بأن الفنّ للمجتمع، وهذا بحسب النظريّة الاشتراكيّة، التي تعاكس تمامًا النظرة البرجوازيّة الرأسماليّة، التي تسوّق (برأي الكاتب) إلى نظريّة الفنّ للفنّ. وهذه المقدّمة ليست إلاّ تأكيدًا على أهميّة الفنّ في وطننا المتسارع في الانهيار.

وبرأيي الشخصي، الفنّ ليس رسالة نقرأها عند الحاجة، لإظهار صورة منمّقة الشكل وفارغة المضمون. لطالما كان الفنّ المساهم الأوّل في عملية إصلاح المجتمع. وطبعًا هذا الفنّ يُقدّم بقالبٍ فنّي يلبسُ قميصًا ذا “كمّين”، كمٌّ نقديّ والآخر جماليّ.

ومن لا يخطر بباله الفنّ الرحباني الذي بالإضافة إلى ما ذكرته أعلاه، فقد ساهم الرحابنة في رسم هويّة فنيّة لبنانيّة، في ظل غياب الهويّة الوطنيّة على الأصعدة كافّةً. من خلال إدراج أغنية الطرب القصير، بتقديمهم أغنية فيروز الطربية التي لا تتجاوز الدقائق الخمس في ظلّ وجود أغنية أمّ كلثوم المصريّة الطويلة التي كان يسمعها المصريون مع “نفس الشيشة” لساعات يقضوها في المقهى أمام المذياع.

وبعودة إلى بليخانوف، ونظريّته “الفنّ للمجتمع”، يمكننا القول بأن الرحابنة، وبدون أن ننعتهم باعتناقهم الفكر الاشتراكي، فالفنّ الذي قدّموه كان اشتراكيًّا، فقد كانوا ينتجون أغاني فيروزيّة تحاكي المشاكل الاجتماعيّة. ومن أحد أهمّ هذه الأعمال التي تحاكي الواقع الآن، مسرحيّة الشخص.

فأنطوان كرباج المُمثّل القدير، الذي لعب دور “الشخص”، الذي لا ينزل من قصر بعبدا، إلّا ليحاكي جمهور تيّاره البرتقالي القاتم. وفيروز وحدها بقيت، لتمثّل شعبًا -كانت ناطورة لمفاتيح بيوتهم- لا تعلم الآن، بأن هذا الشعب يقف طوابيرًا أمام مخفر الدرك لإصدار سجلاّت عدلية (وأراهم يوميًّا أمام بيتي) تحضيرًا للهجرة من الوطن الخالي المفاتيح.

إن مفتاح الفساد بأيدي السلطة الفاسدة، التي تتهرّب من المحاسبة. لا بل أكثر من ذلك، تمتلك رؤوس السلطة مفاتيح ثروات طائلة، جُمعت من قوت الشعب الفقير.. والغني. والأغنياء هم فقراء الحيلة! وهل محض صدفة أن يختصر ماكرون الشعب اللبناني بفيروز لتكريمها؟ أمّ أنه يصرخ بصوتٍ إنساني، كما قالت فيرزو في مسرحيّة الشخص: “وينن، وينن، وين صواتن وينن؟” كأنّ أغنيتها تصريح سياسي لرئيس جمهوريّة، تكفيرًا عن استعمارٍ دام ثلاثة وعشرون عامًا (1920-1943)، واستغرق انسحابها ثلاث سنوات؟

أنا ومثلي كثيرون، نحاول لعب دور ناطورة المفاتيح، لكنّ ليس لحماية بيوت الناس الهاربة، لا بلّ لاستعمال المفاتيح استعمالاً سليمًا، وفقط لنحاول البدء بإيجاد أبواب مغلقة على الفساد والاستهتار بخيرات البلد الرحباني الجميل. فهي ليست فيروز الصباح كما يُدرّج البعض، هي فيروز النهار المضيء، ليصرخ الشعب بأكمله:

.. طلعنا على الضوّ، طلعنا عالحريّة..

لا للأقزام الذين غنّوا برؤوس شفاههم ليمحوا هويّة رسمتها فيروز مع الرحابنة، مُحاولين التأكيد على نظريّة بليخانوف بأن : الفن للمجتمع..اللبناني الذي يأنّ من ارتفاع سعر الدولار الأميركي!!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى