مقالات

هل تنتصر ثورة الجياع في إيران؟

علي بكر الحسيني/ ألمانيا

خاص “المدارنت”
إيران التي وسّعت نفوذها بالقوة والميليشيا، وشاركت في تجويع وقتل وتهجير عشرات الملايين من العرب في الأحواز والعراق وسوريا ولبنان واليمن، ناشرةً الطائفية والخراب حيثما حلّت أو مرّت عبر أدواتها على الأرض، تقف اليوم أمام مشهد داخلي مغاير. شعبها ينتفض تحت شعار:
“لا غزة.. لا لبنان.. روحي فداء إيران”..
“نه غزة.. نه لبنان.. جانم فدای ایران”..
لا دفاعاً عن كرامة وطنية مهدورة، ولا انتصاراً لمبادئ سياسية، بل طلباً للحدّ الأدنى من العيش، من أجل لقمة خبز أوشكت أن تُنتزع من أفواه الناس؛ بفعل سياسات نظام الملالي الراديكالي المتطرّف، وبغطاء غربي/ أميركي صامت ومتواطئ.
منذ عام 1979، بعد انتصار ما سُمّي بثورة الخميني على نظام الشاه، لم تدخل الولايات المتحدة في صدام حقيقي مع النظام الجديد. العداء المعلن ظلّ، في معظمه، مسرحاً سياسياً مضبوط الإيقاع، تُدار فيه التهديدات بعناية، وتُرسم فيه حدود الاشتباك بدقة. أدّت إيران دور “النمر الذي يزأر ولا ينقض”، تهدّد العرب بتصدير ثورتها إليهم، وترفع شعار العداء للكيان الصهيوني، فيما تُترك لتتمدّد في البلاد العربية المنهكة، وتُستخدم فزّاعة إقليمية لتبرير سباق تسلّح غير مسبوق.
بهذا المنطق، انقسم العرب انقساماً عبثياً؛ فريق رأى في إيران خصماً للكيان فصفّق لها ووقف معها، وفريق آخر ارتمى في أحضان أميركا والكيان طلباً للحماية من إيران. وفي الحالتين، كانت الخسارة عربية خالصة. الولايات المتحدة سَلّحت الجميع، الخليج استُنزف في شراء السلاح خوفاً من إيران، والكيان الصهيوني حُفظ له التفوّق النوعي و”التكنولوجي” الدائم. أما إيران، فاستُثمر دورها في تشتيت المنطقة، وتوزيع العداء بين العرب من جهة، وإيران وإسرائيل من جهة ثانية، لا في تغيير الموازين.
جميعنا يذكر قضية إيران-غيت التي وقعت عام 1986، وهي الفضيحة التي كُشف فيها أن إدارة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان باعت أسلحة سرّاً لإيران، في أوج حربها ضد العراق، رغم تصنيفها رسمياً كـ”دولة معادية”، واستخدمت عائدات تلك الصفقات لتمويل ميليشيات الكونترا في نيكاراغوا، في خرق صريح للقانون الأميركي ولقرارات الكونغرس.
غير أن المشهد الأميركي شهد محاولة خروج عن هذا النسق مع قدوم الأرعن (الإرهابي الصهيوني) بنيامين نتنياهو وداعمه دونالد ترامب. الرجلان حاولا كسر قواعد اللعبة التقليدية ودفع الأمور نحو مواجهة مباشرة مع إيران. عندها فقط، ظهرت حدود القوة الإيرانية. لعلّهما وصلا إلى قناعة بأن “النمر الورقي” صدّق لعبته. اضطرت طهران إلى التراجع صاغرة، وهي تدرك يقيناً أنها لا تستطيع الانتصار على الكيان. نعم، أوجعته، وأثبتت قدرتها على الإزعاج، لكنها لم تكن، ولن تكون، قادرة على الحسم أو الانتصار. ويمكن الجزم بأنه لو استمر الصدام مفتوحاً أسبوعاً إضافياً، لرأينا دولاً أوروبية، وفي مقدّمتها بريطانيا، تتدخّل مباشرة وبقوة، وبأحدث الأسلحة، دفاعاً عن ربيبتها إسرائيل، من دون أي تردّد.
في كل ذلك، بقي العرب خارج المعادلة. شعوب مستهلكة، بلا قرار ولا تأثير، يُطلب منها فقط أن تدفع المال. بعضهم يظن أنه محميّ لأنه يتحرّك داخل “الفضاء الأميركي” وتحت مظلته، متناسياً أن هذه الحماية ليست سوى وظيفة مؤقتة في صراع القوى، لا قيمة ثابتة ولا ضمانة دائمة.
أما في الداخل الإيراني، فقد عاد كل شيء إلى أساسه العاري؛ اقتصاد منهك، فقر واسع، بطالة، غلاء، وانهيار متواصل في قيمة العملة. نظام أنفق ثروات البلاد على المغامرات الخارجية، ثم واجه شعبه بخطاب التخوين ذاته. اتهام المحتجّين بالعمالة لإسرائيل لم يعد يقنع أحداً، فالجوع لا يحتاج إلى تحريض خارجي، ولا إلى شعارات مضادة.
ما يجري اليوم في إيران؛ ليس ثورة قيم، ولا مشروع تحوّل ديموقراطي، بل تمرّد معيشة. قوّته في عمقه الاجتماعي، وضعفه في غياب القيادة والأفق السياسي. مصيره لن يُحسم فقط في شوارع طهران وأصفهان، ولا حتى في حوزات قم، بل على طاولات المصالح الدولية التي صنعت هذا النظام أصلًا، وتعرف متى تحافظ عليه ومتى تضحّي به.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى