عربي ودولي

هل يطيح “ذئاب الصحراء” الكولومبيّون بحظوظ مرشحة الإمارات لمنصب أمين عام الأمم المتحدة؟

لانا نسيبة

“المدارنت”
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز”، تقريرا أعده ديكلان وولش، ذكر فيه: “إن لانا نسيبة، مرشحة الإمارات العربية المتحدة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، خلفا للأمين العام المنتهية ولايته أنطونيو غويتريش، كانت في مقدمة الديبلوماسيين في الخليج للدفاع عن دور بلدها في السودان، وإنكاره، ولكن هذا الدور الذي لعبته عندما كانت ممثلة لأبو ظبي في المنظمة الدولية، يعقّد جهودها من أجل الفوز بالمنصب الأممي المرموق.

وأشار وولش، وهو مراسل شؤون أفريقيا بالصحيفة، إلى نتيجة توصل إليها محققو الأمم المتحدة، التي أشارت إلى أن الإمارات، استعانت بـ”مرتزقة كولومبيّين”، للقتال إلى جانب جماعة شبه عسكرية سودانية (ميليشيا الدعم السريع) سيئة السمعة، متهمة بارتكاب إبادة جماعية.
ويفصل تقرير سري قدم إلى مجلس الأمن الأسبوع الماضي، وحصلت عليه صحيفة “نيويورك تايمز”، كيف قامت شركة أمنية إماراتية تربطها علاقات وثيقة بالحكومة بنقل الكولومبيين إلى السودان عبر أراض تسيطر عليها فصائل إماراتية موالية لها في ليبيا والصومال.

ويعتبر هذا التقرير الأكثر تفصيلا حتى الآن من الأمم المتحدة حول دور الإمارات في الحرب الأهلية السودانية، حيث تتهم أبو ظبي بتزويد “ميليشيا “الدعم السريع” السودانية، بطائرات مسيّرة وأسلحة ومرتزقة، ما أشعل فتيل صراع أودى بحياة مئات الآلاف.
وتأتي نتائج الأمم المتحدة في وقت حساس بالنسبة للإمارات، إذ تعد لانا زكي نسيبة، إحدى كبار دبلوماسييها، والتي قادت لسنوات جهود الإمارات لنفي دور بلادها في السودان.

ونسيبة، البالغة من العمر 48 عاما، والمتخرجة من “جامعة كامبريدج” والمنحدرة من أصول فلسطينية، كانت ممثلة للإمارات في الأمم المتحدة، لأكثر من عقد، حيث عينت وزيرة دولة للشؤون الخارجية العام الماضي. ومنذ ظهورها في تشرين الأول/أكتوبر كمرشحة في اللحظات الأخيرة في سباق رئاسة الأمم المتحدة، أحدثت نسيبة، تغييرا في السباق، وتعرضت لانتقادات حادة بسبب دورها في السودان.

فهي متهمة بمحاولة إنكار أو التقليل من شأن الأدلة التي تشير إلى أن الإمارات دعمت قوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب فظائع لا حصر لها، وذلك في انتهاك لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على السودان.
ويرى النقاد أن نسيبة سعت ونجحت أحيانًا، في إسكات عمل هيئات الأمم المتحدة التي تحقق في السياسة الإماراتية في عدة دول عربية، حيث اتهمت بدعم أمراء الحرب وانتهاك حظر الأسلحة الدولي.

وعلق برونو ستاغنو أوغارتي، من منظمة “هيومان رايتس ووتش” في بيان للصحيفة: “أمضت لانا نسيبة أكثر من عقد من الزمن في مناصب تمثل حكومة الإمارات، حيث عملت طوال الوقت على تبييض دورها المسيء في اليمن والسودان، مصورة أبوظبي كجهة فاعلة في المجال الإنساني، بينما تجاهلت أو أخفت الأدلة المتزايدة على دورها في تأجيج الانتهاكات”.
وأضاف أوغارتي أن ترشيح نسيبة أثار تساؤلات حول ما إذا كانت ستكون على استعداد “للدفاع عن استقلالية ونزاهة الأمم المتحدة وآلياتها التحقيقية، بما في ذلك تلك التي تكشف انتهاكات الإمارات”.

ونفى متحدث باسم الإمارات دعم بلادهم لأي طرف في حرب السودان أو سعيها لتقويض تحقيقات الأمم المتحدة. وأبلغت الإمارات الأمم المتحدة بشكل منفصل أن شركة الأمن المذكورة في التقرير السري لم تنشر مرتزقة في السودان ولم تخالف أي قانون إماراتي.
وفي رسالة بريد إلكتروني، قالت نسيبة إن إنهاء “الصراع المروع” في السودان سيكون أولويتها بصفتها الأمين العام. وتعهدت بأنه إذا حدد محققو الأمم المتحدة قوة أجنبية تغذي الصراع، فإنها “ستتحرك وتتواصل مع تلك الدولة”، مضيفة أن “السودان سيكون اختبارا حاسما للأمين العام القادم”.

وذكرت “نيويورك تايمز”/ أن نسيبة، كانت في طليعة الجهود الديبلوماسية الإماراتية تجاه السودان، منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 2023، وفي غضون شهور، بدأت الإمارات بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة والطائرات المسيرة والمساعدات العسكرية، على أمل مساعدة هذه الجماعة على هزيمة الجيش السوداني وضمان المصالح الإماراتية في بلد غني باحتياطيات الذهب ويتمتع بموقع استراتيجي على البحر الأحمر.
وفي عام 2024، ذكرت ”نيويورك تايمز”، أن الإمارات كانت تستخدم طائرات صينية من دون طيار من قاعدة في تشاد، تحت غطاء عملية للصليب الأحمر.

وأشارت الصحيفة إلى أن أطرافا أخرى أسهمت في دعم المتحاربين في السودان، سواء كانوا دولا أو شركات، بما في ذلك روسيا وإيران وتركيا وأوكرانيا، وذلك في الغالب عن طريق إرسال أو بيع الأسلحة للجيش السوداني. إلا أن أيا منها لم يكن له دور محوري كدور الإمارات، التي وظفت مواردها الهائلة وتحالفاتها الوثيقة مع دول مثل إثيوبيا وتشاد لدعم “ميليشيا الدعم السريع”.
وفي مقابلات مع الإعلام، قالت نسيبة في أكثر من مرة بأن بلادها لا تدعم قوات الدعم السريع. وتحدثت في عام 2024 لشبكة “سي إن إن” بأن الادعاءات المتعلقة بهذا الأمر “لا أساس لها”، وأكدت أن مساعدات بلادها لهذا البلد تقتصر على المساعدات الإنسانية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين سابقين قولهم إن نسيبة مارست في جلسات مغلقة، ضغوطا على الحلفاء الأجانب لدعم موقف الإمارات المتمثل في إعلان حيادها تجاه السودان. مع أنها رفضت، حتى في الجلسات الخاصة، التحدث بصراحة عن دور بلادها في السودان، مما كان يعقد الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع عبر المفاوضات.
وفي عام 2024، ألغى قادة الإمارات، غاضبين من عدم دفاع بريطانيا عنهم ضد الهجمات خلال اجتماع لمجلس الأمن بشأن السودان، لقاءات كانت مقررة مع وزراء بريطانيين بارزين احتجاجا على هذه المواقف، وذلك حسب حديث مسؤول أمريكي سابق بارز، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته.

وفي الآونة الأخيرة، تركز التدقيق في دور الإمارات في السودان على ما يسمى بـ”ذئاب الصحراء”، وهي مجموعة من المرتزقة الكولومبيين الذين تم تجنيدهم للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع.
ووثقت العديد من وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان كيف قام الكولومبيون بتشغيل طائرات مسيرة وتدريب مقاتلين وتقديم الدعم المدفعي، بينما نفذت قوات الدعم السريع حصارها القاسي لمدينة الفاشر السودانية العام الماضي، في واحدة من أكثر فصول الحرب بشاعة. وبينما تجاهلت الإمارات في كثير من الأحيان التقارير الإخبارية السلبية، فقد بدت في موقف دفاعي في وقت سابق من هذا العام عندما اتهمتها الأمم المتحدة أيضا بتوفير مرتزقة كولومبيين في السودان.

وفي تموز/يوليو، أرسلت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة، تعنى بمراقبة حظر الأسلحة المفروض على دارفور، تقريرا مفصلا إلى مجلس الأمن تضمن تأكيدات واضحة وأن “الإمارات العربية المتحدة قدمت الدعم لقوات الدعم السريع عبر توفير مرتزقة” لها.
وأشار التقرير إلى أن “مرتزقة كولومبيّين”، تلقوا تدريبا في قاعدتين عسكريتين في أبو ظبي قبل إرسالهم إلى السودان. وقد أبدى المسؤولون الإماراتيون معارضة شديدة. وقبل نشر التقرير، تم عرقلته في مجلس الأمن بسبب اعتراضات من البحرين، التي تشغل حاليا مقعداً غير دائم.

وتحدث مسؤول بارز في الأمم المتحدة وديبلوماسي إقليمي، شريطة عدم الكشف عن هويتيهما، أن البحرين كانت تتصرف بناءً على طلب من الإمارات.
من جانبه رفض متحدث باسم الإمارات هذه المزاعم وقال: “ترفض الإمارات رفضا قاطعا الادعاء بأنها مارست تأثيرا على أي عضو في مجلس الأمن”، ولم ترد وزارة الخارجية البحرينية على طلب للتعليق.

إلا أن التقرير الأخير للمحققين، الذي أرسل إلى مجلس الأمن يوم الجمعة، يكشف بأن المرتزقة استؤجروا من قبل “مجموعة الخدمات الأمنية العالمية”، وهي شركة أمنية خاصة مقرها أبوظبي، تربطها علاقات سياسية وتجارية وعائلية وثيقة بشخصيات بارزة في الأسرة الحاكمة الإماراتية. وتشير السجلات إلى أن الشركة أسسها مسؤول رفيع في رئاسة الدولة الإماراتية، ويقدمها موقعها الإلكتروني بأنها “مزود ​​أمني مفضل” لوزارة الخارجية الإماراتية ووزارة شؤون الرئاسة.

ويرى محللون أن التدقيق المتزايد في سجل نسيبة بشأن السودان قد يضر بحملتها الانتخابية لمنصب الأمين العام، حيث أظهر استطلاع رأي غير رسمي أُجري قبل فترة بين ثمانية مرشحين أنها في منتصف الترتيب.
ويرى كاميرون هدسون، المحلل في وكالة المخابرات المركزية ومدير الشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي سابقا، أن استمرار الإمارات في إنكار دعمها لقوات الدعم السريع يلقي “ظلالا من الشك” على آليات التحقيق التي تسعى نسيبة الآن إلى قيادتها.

أضاف: “لقد لعبت دورا محوريا في التستر على مساهمة حكومتها في الفظائع المرتكبة في السودان، وهذا ما يفترض أن يقصيها من أي ترشيح آخر”.
وفي أثناء قيادة نسيبة جهود بلادها الدبلوماسية بالأمم المتحدة، سعت الإمارات إلى كبح جماح تدقيق الأمم المتحدة في أنشطتها في دول أخرى أيضا. ففي عام 2011 نجحت الإمارات إلى جانب السعودية، في الضغط لإغلاق لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة كانت تعد تقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان وغيرها من التجاوزات في اليمن، حيث كانت القوات الإماراتية منتشرة.

وفي عام 2016، راسلت نسيبة مسؤولين إماراتيين آخرين بشأن اتهامات الأمم المتحدة لبلادهم بتسليح أمير الحرب خليفة حفتر في ليبيا. وكتب مسؤول إماراتي إليها في سلسلة من رسائل بريد إلكتروني أُرسلت بالخطأ إلى الأمم المتحدة: “الحقيقة هي أن الإمارات العربية المتحدة انتهكت قرار مجلس الأمن بشأن ليبيا، وما زالت تفعل ذلك”. وقد نشرت الأمم المتحدة عددا من هذه الرسائل، لكنها حجبت اسم المسؤول.
وحصلت “نيويورك تايمز” هذا الأسبوع على نسخة غير منقحة من تلك المراسلات، وكشفت أن المسؤول هو أحمد القاسمي، وهو ديبلوماسي عمل لدى نسيبة في بعثة الأمم المتحدة في نيويورك. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، قادت نسيبة، جهودا إماراتية منسقة للتأثير على أعضاء البرلمان الأوروبي، بشأن قرار معروض يدين الفظائع في السودان، وفقا لما ذكره موقع: ”بوليتيكو”. وقد أقر البرلمان القرار من دون الإشارة إلى الإمارات.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى