هل يلجأ إلى الخيار النووي؟ البنتاغون يبحث عن مخارج قانونية لتخليص ترامب من جرائم الحرب في إيران!
“المدارنت”
نشرت مجلة “بوليتيكو” تقريرا أعده بول ماكليري وليو شين الثالث، قالا فيه إن البنتاغون أعد خطة لضرب إيران تحلل الرئيس دونالد ترامب من جرائم الحرب، مع أنه قال، في تهديد بضرب إيران بحلول مساء اليوم، الثلاثاء، إذا لم تستجب له وتعد فتح مضيق هرمز، إنه سيفتح عليها أبواب الجحيم، ومع أنه رد على سؤال بهذا الشأن، قال إنه غير آبه بأي اتهامات، لأنه يقتل ويدمر حيوانات”.
وذكرت المجلة إن “البنتاغون يوسع قائمة مواقع الطاقة الإيرانية التي يمكن استهدافها بالهجمات لتشمل تلك التي تزود المدنيين والعسكريين بالوقود والطاقة، وهو حل مرجح في حال وجهت اتهامات للإدارة الأمريكية بارتكاب جرائم حرب لاستهدافها البنية التحتية الأساسية”.
ويراجع مخططات الحرب القائمة، وفقا لمسؤولين دفاعيين، في ظل بحث الطائرات الحربية الأمريكية والإسرائيلية عن أهداف جديدة بعد خمسة أسابيع من الغارات المتواصلة على المواقع العسكرية، وتزايد أعداد القوات البرية الأميركية في المنطقة، وأوضح المسؤولون أن الطبيعة المزدوجة لهذه الأهداف تضفي عليها شرعية.
وقالت المجلة إن الرئيس ترامب يجد نفسه محاصرا بشكل متزايد مع نفاد المواقع ذات الأهمية الاستراتيجية التي يمكن للولايات المتحدة مهاجمتها في إيران، وخنق النظام في طهران الاقتصاد العالمي بحصاره لمضيق هيمز، الذي تمرّ عبره خمس إمدادات النفط العالمية.
ويمكن لترامب إرسال قوات برية وفتح الباب أمام حرب طويلة لا تحظى بشعبية لدى الشعب الأمريكي، أو يمكنه استهداف البنية التحتية المدنية، وهو ما يعد انتهاكا للقانون الدولي ومواجهة اتهامات بارتكاب جرائم حرب.
وعلقت المجلة أن الخيار الجديد قد يمنحه مخرجا، وهو الذي تردده عادة إسرائيل.
وفي يوم الإثنين، هدد ترامب بوضع “يتم فيه تدمير كل جسر في إيران بحلول منتصف ليلة الغد، وتتوقف فيه جميع محطات توليد الطاقة في إيران عن العمل، فتحترق وتنفجر ولن تستخدم مجددا”.
لكن مسؤولي البنتاغون ناقشوا مدى صحة هذا التبرير، وفقا لمسؤول ثالث طلب عدم الكشف عن هويته. ويتمحور التوتر حول تحديد الخط الفاصل بين الأهداف العسكرية والمدنية، مثل محطات تحلية المياه، التي يمكن اعتبارها أهدافا لأن القوات العسكرية تحتاج أيضا إلى الماء للشرب.
وهدد ترامب بشن ضربات على البنية التحتية ليلة الثلاثاء إذا لم يتوصل الإيرانيون إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بحلول الساعة الثامنة مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة.
وبحسب القيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط، فقد قصفت الولايات المتحدة وحدها أكثر من 13,000 هدف في إيران.
ونقلت المجلة ما قالته المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت: “من واجب البنتاغون اتخاذ الاستعدادات اللازمة لمنح القائد الأعلى أقصى قدر من الخيارات، هذا لا يعني أن الرئيس قد اتخذ قرارا. أمام النظام الإيراني مهلة حتى الساعة الثامنة مساء اليوم، الثلاثاء، للتوصل الى إتفاق مع الولايات المتحدة، إذا فشلوا في ذلك، فسيعيدهم الرئيس إلى العصر الحجري، كما وعد”.
وخلال مؤتمر صحافي عقده ترامب يوم الإثنين بشأن الحرب مع إيران، قال إن الشعب الإيراني سيرحب بضربات على البنية التحتية للطاقة. وأضاف: “إنهم مستعدون لتحمل ذلك من أجل الحرية. إنهم يريدوننا أن نواصل القصف”.
وقال ترامب، في فعالية عيد الفصح السنوية بالبيت الأبيض في وقت سابق من يوم الإثنين، إنه “غير قلق” بشأن قصف محطات توليد الطاقة المدنية، وإن إيران هي من ترتكب جرائم الحرب. وقال ترامب: “هل تعرفون ما هي جريمة الحرب؟ امتلاك سلاح نووي. السماح لدولة مريضة، بقيادة مختلة عقليا، بامتلاك سلاح نووي، هذه جريمة حرب”.
ونقلت المجلة ما قاله شون تيمونز، المدعي العام العسكري السابق: “قبل الموافقة على أي أهداف، يجب أن تخضع لمراجعة قانونية تشغيلية، فبعض البنى التحتية المدنية، إذا استخدمها الجيش استخداما مزدوجا، يمكن أن تعتبر هدفا مشروعا بموجب قوانين الحرب. إن مخاوف الناس من أن يصبح هذا الأمر مفرطا هي مخاوف مشروعة، ولكن هناك ضوابط وتوازنات”.
إلا أن وزير الدفاع بيت هيغسيث قلص، العام الماضي، صلاحيات مكاتب البنتاغون المعنية بالمساعدة في تحديد الأهداف العسكرية ومنع إلحاق الضرر بالمدنيين، ما قد يعني تقليص الرقابة على هذه القضايا.
وبدلا من ذلك، اختار هيغسيث خفض عدد الموظفين العاملين في هذا المجال من 200 إلى أقل من 40. وكان الموظفون المسرحون يساعدون القادة العسكريين في اختيار الأهداف التي من شأنها إنقاذ أرواح المدنيين، ويحققون في الضربات بعد وقوعها لتحسين حماية المدنيين في المستقبل. وأعلن هيغسيث الشهر الماضي أنه سيقلص عدد المحامين الذين يقدمون المشورة للقادة بشأن شرعية العمليات، والمعروفين باسم قضاة القضاء العسكري. وفصل محامين من الجيش والبحرية والقوات الجوية في الأيام الأولى من توليه المنصب.
وأشار تيمونز أيضا إلى أن ترامب دعا الشعب الإيراني إلى المساعدة في الإطاحة بقادة النظام. وقد تعيق الهجمات على مرافق الدعم المدني الرئيسية تحقيق هذا الهدف. وقال: “إذا كان هدفكم حقا هو إضعاف قدراتهم العسكرية، فإن القصف العشوائي لن يؤدي إلا إلى إطالة معاناة الناس”.
وانتقد مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية- كير، في بيان له، تهديدات ترامب بمهاجمة أهداف البنية التحتية ووصفها بأنها “متهورة وخطيرة وتدل على عقلية تظهر اللامبالاة تجاه حياة الإنسان والازدراء بالمعتقدات الدينية”.
فقد صوابه
من جهة أخرى، حذر مراقبون لتصرفات الرئيس المتقلب من لجوئه إلى الخيار النووي وتوريطه الضباط معه في جرائم حرب. ففي تقرير أعده مراسل الشؤون الدولية لصحيفة “الغارديان” جوليان بورغر، قال إن تهديدات ترامب بشن قصف جماعي للبنية التحتية المدنية في إيران تمثل معضلة أمام ضباط الجيش الأمريكي: إما عصيان الأوامر أو التواطؤ في ارتكاب جرائم حرب.
وتقول الصحيفة إنه لا يوجد شك بين الخبراء القانونيين حول أن الهجوم على البنية التحتية الحيوية لـ93 مليون إيراني يعد جريمة حرب. وكتبت مارغريت دونوفان وراشيل فانلاندينغهام، وهما ضابطتان سابقتان في القضاء العسكري، على موقع “جاست سيكيوريتي” يوم الإثنين: “إن مثل هذه التصريحات البلاغية إذا تم تنفيذها، سترقى إلى مستوى أخطر جرائم الحرب، وبالتالي فإن تصريحات الرئيس تضع أفراد الخدمة في موقف صعب للغاية”.
وأشارتا إلى أن تباهي ترامب بإعادة إيران إلى العصر الحجري، وأوامر وزير دفاعه بيت هيغسيث بـ”عدم التسامح وعدم الرحمة”، لم يكونا “غير قانونيين بشكل واضح” فحسب، بل هما أيضا قطيعة مع المبادئ الأخلاقية والقانونية التي “تدرب عليها” أفراد الجيش الأمريكي طوال حياتهم المهنية.
وقالت شارلي كاربنتر، أستاذة العلوم السياسية في جامعة ماساتشوستس أمهيرست، إن هناك العديد من الأمثلة التاريخية على أفراد عسكريين شككوا في الأوامر، ورفضوا طاعتها، وعصيانها بشكل سلبي، أو حتى تدخلوا لوقف جرائم الحرب. واستشهدت، كمثال على ذلك، بجنود أمريكيين رفضوا المشاركة في مذبحة ماي لاي عام 1968 في فيتنام، بمن فيهم طيار مروحية هدد بإطلاق النار على الجناة.
وفي محاكمته العسكرية، جادل الضابط الذي أمر رجاله بإطلاق النار على مئات القرويين الفيتناميين، الملازم الثاني ويليام كالي، بأنه كان ينفذ الأوامر فقط، لكن المحكمة قضت بأن هذا الدفاع غير مقبول لأن مثل هذه الأوامر “غير قانونية بشكل واضح”.
ومن هنا، فالسؤال المطروح هو ما إذا كان بإمكان الضباط الذين سينفذون أوامر قصف محطات الطاقة والجسور الإيرانية الادعاء بأنهم لم يكونوا على دراية بأن ذلك “غير قانوني بشكل واضح”.
وأظهر استطلاع رأي أجرته كاربنتر العام الماضي أن معظم أفراد الخدمة العسكرية قادرون على التمييز بين الأوامر القانونية وغير القانونية. وقالت: “يدرك معظمهم واجبهم في العصيان، ويمكنهم تقديم أمثلة ملموسة على الحالات التي ينبغي عليهم فيها العصيان”.
وقد أدى تطرف تهديدات ترامب، إلى جانب يأسه المتزايد لإيجاد مخرج من الصراع، إلى تفاقم المخاوف من لجوء رئيس متقلب المزاج إلى استخدام سلاح نووي. وبموجب النظام الأمريكي، يمتلك الرئيس الأمريكي السلطة الحصرية لإصدار أمر إطلاق نووي. وللقيام بذلك، يستدعي مؤتمرا أمنيا عبر الهاتف لمركز القيادة العسكرية الوطنية، والذي يضم عادة كبار المسؤولين مثل وزير الدفاع وقائد القوات المسلحة، ولكن ذلك يعتمد على من يكون متاحا في وقت قصير. ويقوم مساعد عسكري مقرب من الرئيس بفتح “حقيبة الأدوات النووية”، وهي حقيبة تحتوي على خيارات الضربة النووية، بالإضافة إلى الرموز اللازمة لتأكيد سلطته الرئاسية.
والسبيل الوحيد لإيقاف هذا الأمر هو أن تعتبره القيادة العليا غير قانوني. وفي كانون الثاني/ يناير 2021، كان رئيس هيئة الأركان المشتركة آنذاك، الجنرال مارك ميلي، قلقا جدا من تقلبات ترامب لدرجة أنه، بحسب التقارير، طلب من كبار ضباطه التأكد من مشاركته في أي قرار نووي. وقال جيفري لويس، خبير الأسلحة النووية وأستاذ في معهد ميدلبوري للدراسات الدولية في مونتيري، إن ترامب عبر سابقا عن مخاوفه من العواقب الوخيمة لاستخدام الأسلحة النووية، لكنه أضاف: “لا أعرف مدى قوة هذا الاحترام وهو يخسر الحرب ويفقد صوابه في الوقت نفسه”.



