وداعًـا جـورج طـرابـيشـي.. أيـهـا الـحـلـبـي الـعـمـلاق!

“المدارنت”/ الى قبورنا في المنافي، إنضم مفكر سوري آخر, يرحل متأثرا بجراحه التي أصابتنا جميعا جراء المحنة الوطنية وهمجية نظام الأسد. وأنا على يقين أنه ما من سوري يموت الآن موتاً طبيعياً, فالكل يموتون متأثرين بالكارثة التي سببها الطاغية وزمرة الأوباش والوحوش والسفاحين وصاروا يعيشون عليها.
رحل جورج طرابيشي (1939 – 2016)، بعد أن أنجز “مكتبة عصرية” كاملة فائقة التنوع والثراء والعمق، ناهزت مائتيّ كتاب بين مؤلف ومترجم, ملأت فراغاً كبيراً في مشروع النهضة والحداثة العربية. وأسهمت إسهامًا أساسيًا فكريًا وفلسفيًا في خلق وتعميق حركة الانفتاح على على الحضارة العالمية المعاصرة, والازدهار الثقافي والتنويري الأبرز في عصر العرب الحديث, أعني حقبة التحرر القومي والطموح للتقدم والوحدة بين خمسينيات القرن العشرين وسبعينياته.
إنه أحد قلة طليعية نقلت لنا أهم إنجازات علم النفس الفرويدي, وأحد قلة رائدة زودتنا بأروع الإنجازات المدرسة الوجودية فلسفة وأدبا, وهو أحد المفكرين الذين ترجموا لنا الفكر الفلسفي الهيغلي والماركسي, مثل الياس مرقص. كما إنه أحد المفكرين العرب الذين غاصوا عميقا في التراث العربي والإسلامي, وأعادوا قراءته ونقده وتقويمه وتمييز الحي من البالي فيه, وأعتقد أن مشروعه الذي اختتم به مسيرته (نقد نقد العقل العربي) سيبقى دائما جهدا نقديا له وزنه وأثره, وبخاصة سجاله الحاد مع المفكر الراحل محمد عابد الجابري (نقد العقل العربي) الذي أفرد له كتابا كبيرا وجزءا من مشروعه السابق.
ومهما وجهت لأعمال الراحل من انتقادات موضوعية وخاصة الانتقادات التي نالت من دقة ترجماته, فإن جهده الكبير وعطاءه الوفير لا بد أن يحتمل الكثير من جوانب القصور أو الضغف, ولعلي أضيف اليها أنه قرأ التراث العربي قراءة اديولوجية (ماركسية تحديدا) وهو منهج سبقه اليه كثيرون عرب وأوروبيون وأدى الى نفس النتائج تقريبا, ولكن أعمال طرابيشي في النهاية تحتفظ بقيمتها وأهميتها, وهي تضعه في مصاف المفكرين والادباء العروبيين المسيحيين الذين أسهموا في تحديث الثقافة والفكر العربيين في بداية عصر اليقظة, كاليازجية والبساتنة والمعالفة, وتضيفه أيضا الى قائمة المترجمين السريان الذين أسهموا إسهامًا تاريخيًا رائدًا في الحضارة الاسلامية الأولى، بترجمة الفكر اليوناني والفارسي والعبري والهندي في القرون الثلاثة الاولى من تاريخنا الهجري.

نعم إن جورج طرابيشي، أحد هؤلاء الذين تركوا بصمات واضحة على حضارة وتراث العرب وتاريخهم منذ القرن الثامن الميلادي وحتى القرن الحادي والعشرين, باعتبارهم جزءا من مجتمع متعدد المكونات, متفاعل لا تكاد تميز بينهم.
ومسيرة جورج الشخصية والنضالية لا تختلف أيضا عن مسيرته الفكرية والادبية, فهو وطني وعروبي يساري وثوري, بدأ حياته (بعثيا) ثم تحوّل تدريجيا الى الماركسية, ومع انه تبوأ منصبا في أول عهود البعث عام 1963, فإنه سرعان ما طلق الحزب والنظام, ثم غادر سوريا في بداية السبعينات الى لبنان, ومنها الى فرنسا في بداية الثمانيات. ومكث في باريس حتى وفاته في 16 آذار/ مارس 2016. أي أنه كان أحد أوائل المثقفين والاكاديميين السوريين الذين وجدوا منذ وقت مبكر في حقبة حافظ الاسد بيئة معادية للتفكير الرصين والنقد الجاد والتعبير الحر فحمل (عقله وقلمه) وهاجروا الى أمكنة أقل وحشية وأكثر رحابة.
الرجل الذي ولد في حلب وعاش فيها وتعلم وبدأ مسيرته الفكرية حتى العقد الرابع من عمره, تميز بغزاره انتاجه وتفرغه الكامل للكتابة والبحث والقراءة فكان لا يضيع ساعة من وقته في غير اختصاصاته الجادة. كما تميز بتعدد مجالات ابداعه بين الادب والنقد والفن والفلسفة والترجمة والفكر والتاريخ علم الاجتماع دون أن ننسى السياسة بل والصحافة التي عمل فيها سنوات طويلة ( مسؤولا في مجلة الوحدة وكاتبا في صحيفة الحياة).
تعرفت عليه في حلب عام 1969 عندما تأسس (نادي السينما) وكان يشرف عليه جورج ويحرص على أن يدير حوارا بيننا وبينه بعد كل فيلم من الافلام الأجنبية المميزة (للمخرجين الكبار جودار وفيلييني وبازوليني.. إلخ) ولا شك أنه عمق ثقافتنا النقدية وتذوقنا للغة السينمائية, وإن كان يجنح دائما لتحليل الافلام تحليلا ماركسيا أو فرويديًا. وقد قلت له ذات مرة كأنك ترى في كل مخرج ماركس أو فرويد آخر..؟ ولم يغضب بل رد عليّ: وهل هناك مخرج في هذا العصر لم يتأثر بماركس أو فرويد أو فرويد؟!
عدت والتقيت به في منتصف الثمانينات في باريس, وكان في ذروة عطائه واشتغاله وتفرغه, ولمست تماهيه التام مع الثقافة الفرنسية وحداثتها, فكانت فرنسا كما لاحظت قد أصبحت وطنه الفكري والذهني. ولكنه كان أيضا دائم التعبير عن الحنين الى سوريا وحلب, ودائم التعبير عن اعتزازه ببلاده الاصلية وبعروبته وظل في غربته قريبا على الدوام من التيارات العروبية التقدمية.
وداعا جورج طرابيشي، أيها العملاق الحلبي السوري العربي العالمي: علما بارزا للتنوير والعقلانية والابداع.
ولزوجته الأديبة السورية السريانية المبدعة هنرييت عبودي صاحبة الملحمة الرائعة وداعا يا ماردين.. كل العزاء.
المصدر: نشر المقال على صفحة الكاتب على منصّة “ميتا/ فيسبوك” في العام 2016.



