وضع العرب في المستقبل القريب!

خاص “المدارنت”..
هذه رؤية لا تستند إلى أيّ معلومات، وإنما إلى سلسلة من التحوُّلات والأحداث والخطوات والمواقف المتراكمة في عشرات السنين الماضية والتي – ربّما – ستنضج نتائجها في السنوات القليلة القادمة ..
أيضًا، ما سأقوله هنا ليس رأيي ولا كلّ ما أتمنّى ولا ما يحبّه أبناء جيلي أو الذين حملوا القضيّة العربيّة، بأبعادها التي صيغت في القرن العشرين/ وناضل عشرات الملايين في سبيلها، واستشهد الملايين في ساحات معاركها، وتعطّل من تعطّل وهاجر من هاجر ويئس من يئس، واستمرّ كثيرون ينادون في وادٍ سحيق لا أحد يريد أن يسمعهم الّا مَن رَحِمَ ربّي..
يذكر أبناء جيلي، وما بعده بسنين، أنّ غياب جمال عبد الناصر عام 1970 فتح الباب أمام كلّ المشكِّكين بوحدة العرب وقدرتهم على التفاعل والنهوض طالما أنّ “زعيمَهُم” وقائدَ مسيرتِهِم – آنذاك – قد رحل، وبالتالي، رحل معه كل ما كان يمثِّل من طموح وسعي لتمكين العرب من الحضور الفاعل على المسرح الاقليميّ والدوليّ ، وأنّ الحالة الجماهيريّة التي أحدَثَها طيلة فترة حضوره المحلِّيّ والاقليميّ والدوليّ، ستتلاشى وتتبدّد مع الأيام القاسية التي سيشهدها مشروعه العروبيّ نتيجة السياسات المضادّة التي سينتهجها من يجيء بعده… وهكذا – باختصار شديد – كان.
مرّت المنطقة العربيّة منذ غياب عبد الناصر بامتحانات كثيرة، قاسية، أفقدت العرب زمام المبادرة في إدارة أزماتهم، ناهيك عن إيجاد حلول لها ، وأمعنت في إدخال معظمهم في أُطُر التبعيّة للغرب والشرق وما دونهما .. حتّى مصر – أكبر دولة عربيّة – تحوّلت إلى شبه محميّة أميركيّة وأجبرها الأميركان أن تدور في فلك قطر!
في تلك الفترة، وحتّى وقت قريب، فقدت القضيّة الفلسطينيّة – قضيّة العرب المركزيّة – كل خصائصها القوميّة، وأصبحت كرة يتقاذفها اللاعبون الاقليميّون والدوليّون بما يتناسب ومصالحهم ومشاريعهم التي تستهدف العرب وأرضهم وثرواتهم ومواقعهم وحاضرهم ومستقبلهم..
حدث الكثير ، بين 1970 و2020، من المآسي والويلات التي لا حصر لها ولا عدّ والتي جعلت من معظم بلاد العرب، أرضًا يبابًا لا تشجِّع أبناءها على التفكير في العيش فيها أو البدء ببناء مستقبل لهم ولأولادهم في ظلّ الخراب الذي يهيمن على الأرض والإنسان…
نأتي إلى عرب اليوم ومحاولات تجميعهم التي بدأت منذ سنوات قليلة – رغم الضغوط والعرقلات الأميركيّة الهائلة – والتي أتت نتيجتها في القمّة العربيّة الأخيرة في المملكة العربيّة السعوديّة وما رافَقَ حيثيّاتِ انعقادِها من عقباتٍ ومخاوِضَ عسيرة..
هؤلاء الملوك والرؤساء والأمراء قدروا، بشكل أو بآخر، على لملمة الصفّ العربيّ الرسميّ بالحدود الدنيا والإفادة من اللحظة التاريخيّة المتاحة بسبب انغماس أميركا وأوروبا في الحرب الأوكرانيّة الروسيّة الدائرة منذ أكثر من سنة، وبسبب دخول الولايات المتحدة الاميركيّة في مرحلة التهيئة للانتخابات الرئاسيّة التي ستستغرق سنة ونصف السنة.
إستطاع وليّ العهد في المملكة العربيّة السعوديّة ، الأمير محمد بن سلمان، أن يقرأ الوضع العالميّ ويفتح نافذة مضيئة من خلال الاتّفاق الذي عقده مع إيران برعاية الصين. هذا الاتّفاق، بالإضافة إلى غيره من تراكمات في المواقف المستقلّة عن قرارات أميركا والغرب ، سيتيح للعرب – في حال نجحت مسيرة تنفيذه – أن ينتقلوا إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والنهوض وبناء قدراتهم الذاتيّة مستفيدين من المناخ العام الذي سيخيّم على المنطقة كلها.
ثمّ انّ وليّ العهد بن سلمان له مشروعه، الذي أصبح واضحًا للجميع ، والذي يتطلّب تجميع العرب – بأيّ شكل من الأشكال – لكي تتوفّر له سُبُل وآفاق النجاح المرجوّة. هذا المشروع، لكي يشقّ طريقه نحو التحقّق، عليه أن يسعى إلى تنفيذ السوق العربيّة المشتركة بشكل كامل وتفصيليّ بحيث تشكِّل الكفاءات العربيّة في شتّى المجالات الرافعة الأساسيّة في النهوض المُرتَقَب ممّا يُمكِّن الشباب العربيّ المتعلِّم والطموح من البقاء على الأرض العربيّة للاسهام في المشاريع الكبرى ومتفرِّعاتها التي ستقام على أرض العرب بالأموال العربيّة والاستثمارات العربيّة.
إذن، هناك فسحة أمل كبيرة لأن تدخل المنطقة، في أجواء من الاستقرار والسلم الأهليّ، والنهوض والازدهار والتقدُّم والتطوُّر، بعد عشرات السنين من الاضطرابات والحروب، على مختلف أنواعها، والتدمير والتخريب والتأخُّر…
لكن، أخيرًا، هناك مجموعة من التساؤلات الضروريّة لا بدّ من طرحها:
هل يسعى (وليّ العهد السعودي) محمد بن سلمان، ومن معه، الى تحقيق حضور عربيّ، على طريقتهم، بما تسمح له ظروف هذا الزمن العربيّ الرديء؟! هل يكون الثمن هو الاعتراف العربيّ النهاني والعلنيّ الكامل والشامل بالكيان الصهيونيّ واعتباره جزءًا من “الشرق الأوسط الجديد” أو “أوروبا الجديدة”؟! هل تكون التصفية النهائيّة لقضيّة فلسطين، كقضيّة أمّة، وتحويلها إلى قضيّة اجتماعيّة إنسانيّّة؟! هل ستنتهي، بعد كل ذلك، مآسي العرب لتبدأ عمليّة تأهيلهم لزمن جديد و”دين” جديد؟!\



