مقالات
“ســـدّ الـنـهـضـــة” والـخـطـــر الـداهــــم..!

خاص “المدارنت”..
قديمًا قيل: مصر هِبَةُ النيل. هذا لا يعني فقط، ان مصر يرويها هذا النهر العظيم، اطول انهار العالم، الذي ينبع من بحيرة فكتوريا في أوغندا ويصبّ في البحر الأبض المتوسِّط، فلا تُروى أرضها ولا يعطش إنسانها، وإنّما هو أحد أهَمِّ سياجات حياتها الاقتصاديّة والسياسيّة والأمنيّة وأهم مصادر استقرارها ونمُوِّ دورها في أفريقيا والعالم.
كان النيل، منذ فجر التاريخ، وما يزال، عصب الثروة المائيّة لمصر والسودان التي بدونها لا يمكن لشعب وادي النيل أن يقود حياته، بشكل طبيعيّ، مُتَمَتِّعًا بمُقوِّمات العيش الأساسيّة، ومطمئنًا ليومه وغَدِهِ واستمرار روافِدِ رزقِهِ التي تشكِّل ضماناتٍ لحاضرِهِ ومستقبلِه.
هذه الحقائق الثابتة، على مرِّ التاريخ، بخاصّة في آلاف السنين، التي شكّلت فيها الزراعة المورد الوحيد للناس، عرفَها وفهِمها كلّ من تبَوّأ سُدة الحكم في البلاد، منذ عهد الفراعنة.
لم يكن، بالنسبة لمسؤولي وادي النيل، مصر والسودان، أمر أهمّ من المحافظة على تدفُّق مياه نهر النيل، من دون انقطاع أو انخفاض في المنسوب. لذلك لم يسمح ايّ حاكم مصريّ لدول حوض النيل، بإقامة سدود تعوّق انسياب القدر الكافي من المياه الى السودان ومصر.
في عام 1957، بتنسيق من رجل الاستخبارات الاميركيّة أرِك جونستون، وافقت الادارة الأميركية على القيام “بدراسة شاملة لحوض النيل الأزرق”، والموارد الأرضية والمائية للنيل الأزرق”، من دون التشاور مع مصر كما نصّت اتفاقيّة 1929، كان نتيجتها سبع مجلّدات تقترح اقامة أربعة سدود كبرى، وعشرات السدود الصغرى، آخرها سدّ النهضة، الذي سيقع قبل نهاية الحدود الاثيوبيّة/ السودانيّة، والذي سيتّسع لحوالي 81 مليار متر مكعب من المياه.
كان ذلك، ردًّا مباشرًا وواضحًا على قرار جمال عبد الناصر، القاضي ببناء السدّ العالي، بمساعدة الاتّحاد السوفيتي، وبسبب مشروعه الذي يهدف الى توحيد العرب، وتبنّيه الكامل للقضيّة الفسلطينيّة، قولًا وفعلا. لكنّ عبد الناصر، استطاع بسبب ثقله العربيّ والاقليميّ والأفريقيّ والعالميّ، وبسبب علاقاته الوطيدة مع إمبراطور أثيوبيا، هيلا سيلاسي، أن يمنع قيام السدود. ثم جاء أنور السادات، ومن بعده حسني مبارك، اللذان سلّما مصر للاميركيّين لأربعة عقود، من خلال معاهدة كامب دايفيد، ممّا سهّل لهم بعقد المواثيق مع حكّام الخليج، وانتهاج سياسة ثابتة تحت جناح أميركا، وحلفائها في المنطقة، الى ان تحوّلت مصر الى دولة هامشيّة، تنتظر الاشارة من أميركا للقيام بأيّ خطوة داخلية او اقليميّة او خارجيّة، حتّى أصبحت أقلّ شأنًا من قطر وكلّ مشيخات نفط الخليج.
ثمّ جاء عبد الفتّاح السيسي، بعدما أطاح بحكم “الاخوان المسلمون”، وانتهج سياسة تنويع مصادر شراء السلاح للجيش المصريّ، وتوسّعَ في الحديث حول الأمن القوميّ العربيّ، وطرحَ انشاء حلف عسكريّ عربيّ، على غرار الحلف شمال الأطلسيّ، وغيرها من القضايا التي تخرج عن تفاهمات كامب دايفيد – والتي تمّ احباط أكثرها فيما بعد – حيث قام بزيارات الى روسيا والصين وفرنسا، وغيرها، وعقد صفقات خارج ارادة الارادة الأميركيّة، التي كانت قد أعربت عن عدم ارتياحها لازاحة “الاخوان المسلمون” عن السلطة، بالقوّة، وخسارة ترتيباتها في المنطقة، فقامت بتحريك ملف سدّ النهضة من جديد، الذي بدأت إثيوبيا بالتحضير لبداية انشاءاته عام 2011، أثناء تخبُّط مصر بعد انتفاضات 2011 الشعبيّة، التي التي أطاحت بحسني مبارك.
إذن، مسألة سدّ النهضة، ليست مجرّد محاولة لتقليل حصص مصر والسودان من مياه النيل، بقدر ما هي محاولة لتطويق مصر، وممارسة الضغوط عليها، لتحويلها الى بلد فاشل، بعدما تمّ تدمير العراق وسوريا واليمن وليبيا؛ وما محاولات توسيع الحرب الأهليّة في ليبيا، الّا جزء من هذا التطويق، الذي تقوم به الولايات المتحدة وإسرائيل، على الرغم من التطمينات المستمرّة التي يقوم بها الرئيس المصريّ، واعلانه المستمرّ بالالتزام بتنفيذ بنود اتفاقيّة كامب دايفيد، وضمان عدم مواجهة اسرائيل، والتزامه بالبقاء ضمن الجوّ الاميركيّ العامّ في المنطقة.
لذلك، رأينا إشغال مصر لسنوات في محاربة الارهابيّين التكفيريّين في سيناء، وإرسال المرتزقة السوريّين، وغيرهم الى ليبيا، وتصليب موقف أثيوبيا في الإسراع بملء سدّ النهضة بطريقة مؤذية، جدًّا، لكل من مصر والسودان، بحيث ترقى الى محاولة استدراج الجيش المصريّ الى حرب، لها اوّل، وما لها آخر. لكن، ما يتمنّاه كلّ عربيّ حرّ، هو استشعار الخطر الداهم، الذي، ربّما يسهم في نوع من الوحدة بين مصر والسودان، تكون نواةً للحلم العربيّ الذي يراود أبناء الأمّة المخلصين.
نستنتج من استعراض هذه الوقائع المشهديّة الى انّ أعداء مصر، يحاولون تخريبها عن طريق تطويقها بالكامل، من الشرق والغرب والجنوب، كما خربوا الدول العربيّة الأخرى، مستخدمين لكلِّ بلد طريقة فعّالة، تناسب الظروف المحيطة داخليًّا وخارجيّا.
حتّى الآن، ما تزال مصر تتريّث، وتعتمد سياسة النفس الطويل، والسير بين النقط في منطقة مليئة بجميع انواع ما توصّلت اليه العبقريّة الاميركيّة والصهيونيّة، من افخاخ والغام ومكائد. فهل تصل الأمور الى مواجهة عسكريّة مع أثيوبيا؟! بخاصة، وانّ كثيرًا من التقارير يفيد بأنّ للموساد الاسرائيليّ، الدور الأكبر في سير تنفيذ مشروع سدّ النهضة، والذي اذا استطاع أحد تخريبه – يومًا ما في المستقبل – فستحدث كارثة لمصر والسودان، لا يعلم مآلاتها الّا الله !
======================



