6 قتلى و22 جريحًا في جرّاء حوادث السير في “قسنطينة” الجزائرية!

“المدارنت”
لا تزال حوادث المرور الخاصة بالنقل الجماعي تتسبب في كوارث بالجزائر؛ فقد أدى صبيحة الخميس، انحراف حافلة لنقل العمال وسقوطها في وادٍ عند مخرج بلدية ابن زياد بولاية قسنطينة شرق البلاد، إلى وفاة ستة أشخاص وإصابة 22 آخرين، وفق حصيلة أولية.
وأفادت مصالح الحماية المدنية أن الحادث وقع في حدود الساعة الخامسة و19 دقيقة صباحاً، حيث تدخلت فرق الإنقاذ التابعة للوحدة الثانوية لدائرة ابن زياد، مدعمة بعدة وحدات أخرى، لإجلاء الضحايا والتكفل بالمصابين الذين نقلوا على جناح السرعة إلى المؤسسات الاستشفائية المجاورة، بينما تواصلت عمليات التدخل لساعات بسبب طبيعة الحادث وصعوبة الوصول إلى موقع سقوط الحافلة.
وتنقل والي قسنطينة إلى المستشفى الجامعي “الحكيم ابن باديس”، قبل أن يزور المؤسسة الاستشفائية الدكتور حفيظ بوجمعة “البير”، للوقوف على ظروف التكفل بالمصابين والاطمئنان على حالتهم الصحية، في وقت باشرت فيه الجهات المختصة تحقيقاتها لتحديد الأسباب الدقيقة التي أدت إلى فقدان السائق السيطرة على الحافلة.
ويأتي هذا الحادث بعد أقل من أسبوع فقط من فاجعة مرورية أخرى شهدتها ولاية تيميمون، حيث اصطدمت حافلة لنقل المسافرين كانت تؤمن خط باتنة – أدرار بشاحنة على الطريق الوطني رقم 51، ما أدى إلى وفاة أربعة أشخاص وإصابة 43 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة. ووقع الحادث في الساعات الأولى من الصباح، وهي الفترة التي تشهد عادة كثافة في حركة النقل بين الولايات، قبل أن تتدخل مصالح الحماية المدنية لإجلاء المصابين ونقلهم إلى المستشفى المحلي.
غير أن أكثر الحوادث إيلاماً خلال الأيام الأخيرة كان ذلك الذي عرفته ولاية بومرداس في 31 تموز/جويلية، عندما انحرفت حافلة لنقل المسافرين كانت قادمة من ولاية سطيف، وانقلبت قبل أن تهوي في منحدر عميق بمنطقة الكرمة، مخلفة 28 قتيلاً و38 جريحاً، في واحدة من أكبر الكوارث المرورية التي شهدتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة.
وأظهرت صور الحادث الذي هزّ الجزائر وأدى إلى إعلان الحداد الوطني، حجم الدمار الذي لحق بالحافلة، بعدما تدحرجت لمسافة طويلة على سفح المنحدر قبل أن تستقر محطمة بشكل شبه كامل، فيما عكست تضاريس المنطقة الوعرة صعوبة عمليات الإنقاذ، التي استدعت تسخير عشرات الأعوان وسيارات الإسعاف لإجلاء الضحايا والمصابين.
وكشفت التحقيقات القضائية لاحقاً عن معطيات جديدة، بعدما أعلنت نيابة مجلس قضاء بومرداس أن نتائج التحاليل البيولوجية أثبتت تعاطي سائق الحافلة، البالغ من العمر 33 سنة، مواد مخدرة مختلفة، كما عثر بحوزته على قرصين من المؤثرات العقلية، وهي العناصر التي يواصل التحقيق تحديد مدى ارتباطها بفقدانه السيطرة على المركبة وانحرافها نحو المنحدر.
وأعاد هذا التطور النقاش حول تشديد الرقابة على سائقي النقل الجماعي، خاصة في الرحلات الطويلة، ومدى احترام المؤسسات الناشطة في القطاع لشروط السلامة، سواء من حيث الحالة الصحية والنفسية للسائقين أو ساعات العمل والراحة، فضلاً عن المراقبة التقنية للمركبات.
ولا تعد هذه الحوادث حالات معزولة، إذ سبق للجزائر أن شهدت خلال العامين الأخيرين عدداً من الكوارث المماثلة. ففي أغسطس من العام الماضي، سقطت حافلة لنقل المسافرين من أعلى جسر بوادي الحراش في العاصمة، ما أسفر عن وفاة 18 شخصاً وإصابة أكثر من عشرين آخرين، في حادثة صدمت الرأي العام وأعادت المطالبة بتجديد أسطول الحافلات وتشديد الرقابة على النقل الجماعي.

وتبرز الأرقام الأسبوعية الأخيرة للحماية المدنية حجم الظاهرة، إذ سجلت خلال الفترة الممتدة من 26 جويلية إلى الأول من أغسطس 1553 حادث مرور عبر مختلف ولايات الوطن، أسفرت عن وفاة 74 شخصاً وإصابة 1951 آخرين، فيما كانت ولاية بومرداس صاحبة أثقل حصيلة بسبب كارثة الحافلة التي أودت بحياة 28 شخصاً.
وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن حوادث المرور ما تزال تمثل أحد أبرز أسباب الوفيات في الجزائر، إذ تحصد الطرقات سنويا نحو ثلاثة آلاف قتيل، فضلا عن عشرات الآلاف من الجرحى، بينما تؤكد البيانات الصادرة عن مصالح الأمن والحماية المدنية أن العامل البشري يظل السبب الأول في غالبية الحوادث، سواء بسبب السرعة المفرطة، أو التجاوزات الخطيرة، أو الإرهاق، أو عدم احترام قواعد السير.
في المقابل، يطرح المتعاملون في مجال النقل إشكالات تتعلق بعدم توفر قطع الغيار الأصلية في السوق بأسعار مناسبة إلى جانب مشكل ندرة العجلات وتقادم مركبات النقل الجماعي في ظل تراجع الاستيراد الذي يسمح بتجديد الحظيرة، وهي الإشكالات التي وردت في بيان نقابة سيارات الأجرة الأخير.
وتؤكد الإحصائيات أن حوادث المرور لا تزال تمثل تحديا حقيقيا أمام السلطات، رغم مراهنة السلطات على قانون المرور الجديد، الذي دخل حيز التنفيذ قبل أشهر، لإحداث تراجع في عدد الحوادث، من خلال تشديد العقوبات على المخالفات الجسيمة، خاصة تلك المرتكبة من قبل سائقي وسائل النقل الجماعي والمركبات الثقيلة، مع رفع عقوبات القتل والجرح الخطأ الناتجين عن مخالفات خطيرة أو السياقة تحت تأثير الكحول أو المخدرات.
ويتضمن القانون أيضا إخضاع السائقين المهنيين لفحوصات طبية دورية، وإلزامهم باحترام فترات السياقة والراحة، فضلاً عن إنشاء منظومة معلوماتية وطنية لتتبع المخالفات وربطها برخص السياقة والمركبات، بما يسمح برصد السائقين كثيري المخالفات واتخاذ إجراءات ردعية بحقهم، في ظل أن النقل الجماعي يمثل وسيلة التنقل اليومية لملايين الجزائريين، وأن أي خلل في منظومته قد يحول رحلة عادية إلى مأساة إنسانية جديدة.



