مقالات

الغزو الروسي لسوريا.. إحتلال دائم وتوسع امبراطوري.. ألجزء (7)

الكاتب الراحل محمد خليفة/ سوريا

خاص “المدارنت”..

أثار التدخل العسكري الروسي في سوريا، تساؤلات متتالية عن أهدافه ومداه واحتمالات تطوره. والاسئلة الأهم بينها هي ما أغراضه الحقيقية..؟ وهل هي محصورة في الشأن السوري..؟ وهل هي محدود المدة والأهداف ويسعى لتهيئة الظروف لحل سياسي..؟

أكثر مبررات هذه الاسئلة يتمثل في حجم الحشد العسكري الكبير وطبيعة الأسلحة التي أحضرتها روسيا الى سورية ومحيطها وتستعملها في قتالها ضد الثوار,وهي من أحدث ما أنتجته مصانعها وبعضها يستعمل للمرة الأولى, وشكل مفاجأة للمراقبين الغربيين كالصاروخ الباليستي (3 إم. 14 إي) العابر للقارات (كاليبر) المعادل لصاروخ توما هوك أو كروز الاميركي.

يذهب معظم المحللين العسكريين في الغرب إلى أن أهداف الكرملين من التدخل العسكري في سوريا أبعد مدى من هذا البلد, وأن أهدافه تتعلق بالصراع على الزعامة العالمية , وهو خطوة مدروسة لتحدي حلف الناتو , وهز ثقة حلفاء اميركا في المنطقة بها.

ويجدر لفت الانتباه إلى أن الروس مهدوا لغزوهم بعمليات حشد عسكرية في المتوسط غير مسبوقة , وبمناورات ضخمة بالذخيرة الحية استمرت شهرا (8 سبتمبر – 7 اكتوبر) تضمنت استعراضا للقوة يفوق الحاجة لحماية الأسد من السقوط.

وفي نظر المسؤولين الغربيين العسكريين الكبار فالغزو يقع في سياق خطة أوسع للتوسع على حساب الغرب عموما لاستغلال التراجع الأمريكي والضعف الذي اعترى ادارة اوباما في سنواتها السبع الأخيرة على المستوى الدولي.

وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر قال أمام منتدى ريغن للدفاع السبت الماضي إن الروس يسكبون الوقود على النار في سورية ويدمرون أركان النظام الدولي, ويتسببون بأضرار لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها. وأكد أن بلاده قادرة على المواجهة, ولكنها لا تريد حربا باردة ولا ساخنة مع روسيا , ولا تريد استعداءها ولكنها ستحمي مصالحها وحلفاءها . وأكد أن روسيا تضر بلاده أكثر من (تنظيم الدولة الاسلامية).

 وقد وصف المحللون هذا التصريح بأنه الأكثر صقورية منذ نهاية الباردة ويمثل احتجاجا للمؤسسة العسكرية على التمدد الروسي في العالم .

تزامن انسحاب الأساطيل الأميركية
ووصول الروس

وقبل كارتر بأيام قال سكرتير حلف الناتو ينس ستولتنبرغ إن الروس يتوسعون في بحار البلطيق والمتوسط والاسود , وعلى الحلف أن يؤكد قدرته على التغلب على القدرات الروسية, وتحريك قواته ونشرها . قال هذا في أثناء مناورات اجراها الحلف في المتوسط هي الاضخم منذ 13 عاما شاركت فيها 30 دولة مشاركة ومراقبة ، و36000 جندي من القوات البرية والبحرية والجوية بمساندة 140 طائرة مقاتلة وأكثر من 60 سفينة حربية و230 وحدة عسكرية .

أما دوغلاس باري الباحث المتخصص بشؤون الطيران الحربي في معهد الشؤون الاستراتيجية والدولية (لندن) فرأى أن تحركات الروس الأخيرة تكشف (نيتهم لتغيير وضعيتهم العسكرية وتخطي حدود نفوذهم الحالية على الساحة الدولية).

  وعلى أي حال فإن استنباط الأهداف العسكرية والاستراتيجية النهائية بدقة لغزو سورية يتطلب تحليل ثلاثة عناصر رئيسية: التحركات العسكرية أولا, والأسلحة المستعملة ثانيا, والحشد البشري ثالثا.

 “ارمادا” واسعة النطاق

 ما قاله سكرتير عام الناتو عن التوسع الروسي أكثر وضوحا من أي تطور على الساحة الدولية في الاعوام الأخيرة , وتبدو الاستراتيجية الروسية تقليدية ,وتطبيقا لاستراتيجية ملء الفراغ , إذ يتقدم الروس في مناطق تخليها أمريكا , ويركزون على البحار الاستراتيجية , من قزوين الى المتوسط , ومن البلطيق الى البحر الاسود .

وعلى سبيل المثال رصدت السويد والنرويج في العامين الأخيرين انتهاكات متكررة لغواصات روسية لمياههما الاقليمية , كما رصد حلف الناتو محاولات لزعزعة أمن دول البلطيق الصغيرة متزامنة مع التقدم الروسي في شبه جزيرة القرم واوكراينا .

وفي البحر الأسود تحشد روسيا معظم القطع الكبيرة لقواتها البحرية , وكذلك بحر قزوين, وهما بحران “روسيان” الى حد كبير, مثلما أن البحر المتوسط والخليج بحران خاضعان للسيطرة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية .

والجديد في هذه (الوضعية) التي تريد روسيا تغييرها كما قال باري هو توسعها الجغرافي حول الشرق الاوسط لأهداف ابعد من مجرد حماية نظام الاسد, وإن بدا هكذا .

 فحين أرادت روسيا قصف مواقع تنظيم الدولة الاسلامية في سورية (7 ت1 – اكتوبر) بصواريخ عابرة للقارات لم تكن بحاجة لأن تفعله بصواريخ من هذا النوع , ولا لاستعمال سفنها في بحر قزوين , ولم يكن الاعلان عنها بحاجة لأكثر من بيان , أو تصريح لمسؤول عسكري , ولكن الذي حدث أن بوتين وقف بجانب  وزير دفاعه ليعلنا عن العملية الاستعراضية , وتلقى الغرب الرسالة . إذ أراد بوتين الكشف عن امتلاك جيشه لهذا الصاروخ المسمى (كاليبر) والذي شكل مفاجأة للأميركيين الذين كانت معلوماتهم تفيد بأن نسخه المتوفرة لدى الجيش  الروسي مداها عن 300 كم  فقط , بينما يبلغ مدى النسخة التي استعملت في ذلك اليوم 1500 كم . وقال الخبراء إن الكشف عن هذا السلاح هو السبب الرئيسي لاستعراض القوة بهذه الطريقة , فضلا عن رسالتين أخريين , أولاهما أن لروسيا حلفاء  محليين كايران والعراق وسوريا لأن الصواريخ مرت عبر اجوائهم قبل وصولها الى اهدافها. والثانية التذكير بأن قزوين  بحيرة روسية لا مكان فيها للغرب . ويشير موقع “روسيا-إنسايدر”  الى أنّ الاسطول الروسي في قزوين يضم فرقاطتين “غيبارد” وستّ سفن حربيّة من طراز كورفيت مجهّزة بصواريخ ضدّ السفن والغوّاصات , وصواريخ أرض- جو.

العملية رسالة روسية للغرب
والشأن السوري منصة اطلاق

بموازاة ذلك لاحظ المراقبون العسكريون تطورا مثيرا آخر في المتوسط , فالبحر الذي ظل من الناحية التاريخية بحيرة أميركية – اوروبية بامتياز لا مكان فيها للروس سوى موطىء قدم محدود على الساحل السوري بدأت القسمة تتغير فيه أخيرا . فقبل العدوان الروسي على سورية أجرت بحريتهم مناورات بالذخيرة الحية قبالة السواحل السورية استمرت شهرا لم تنتهي الا وقد بدأ العدوان. وكانت موسكو اعلنت ان مجموعة من سفنها الحربية سترابط في المتوسط بشكل دائم ، بينها سفن امداد وحراسات وطرادات صاروخية وسفن تابعة لمشاة البحرية, إضافة لسفينة تجسس تدير عمليات الاتصال ومراقبة الرادارات التي تعتمد عليها القوات الجوية في عملياتها في سورية . ورغم هذا ارسلت موسكو مؤخرا مجموعة من سفنها الضخمة في اطار تدريبات واسعة في المتوسط بينها الفرقاطة «تيسزار كونيكوف» وحاملة الصواريخ «موسكو» وسفينة الحراسة «سميتلوفي» اضافة للبارجة الضاربة «ساراتوف» علماً أن وزارة الدفاع الروسية لم تستبعد استخدام السفن الحربية في توجيه ضربات الى مواقع الثوار السوريين . وفي المتوسط ايضاً الفرقاطة «الأميرال غورشكوف» المزودة بمدفعيات ثقيلة ضمن المجموعة التي اعلن عن ارسالها الشهر الماضي.

 ولم تكتف موسكو بهذا العدد غير المسبوق من قطعها البحرية حتى ارسلت بداية الشهر الحالي ت2 نوفمبر السفينة «فيتسي أدميرال كولاكوف» إلى المتوسط عبر مضيق جبل طارق حاملة طائرات مروحية من طراز «كا- 27»المتطورة .

وفي نفس الوقت أعلنت موسكو تعزيز اسطولها الجوي في قاعدة اللاذقية بشبكة دفاع جوي تشتمل على أنظمة صاروخية. وقال قائد سلاح الجو فيكتور بوندريف إن بلاده أرسلت هذه الأنظمة لحماية قواتها من اي هجوم جوي عليها ، موضحاً انهم « درسوا التهديدات المحتملة وأرسلوا الطائرات الهجومية وقاذفات القنابل والحوامات ، ثم ارسلوا أنظمة صواريخ لاستعمالها في حالات مثل اختطاف طائرة عسكرية من دول مجاورة واستعمالها لشن ضربات جوية ضد القاعدة».

الغريب أن هذه التطورات, والبحرية منها بشكل خاص , حدثت في وقت كان المتوسط يخلو للمرة الأولى منذ وقت طويل من حاملة الطائرات الأميركية “روزفلت”!

والأغرب أن مياه الخليج  خلت في نفس الوقت من حاملة الطائرات (هاري ترومان) وعزت واشنطن الغيابين الى اضطرارها لتكثيف وجودها العسكري في البحار الآسيوية من ناحية, والى أعطال بحاجة للاصلاح في ( روزفلت) ينتظر أن يعاد تأهيلها أول الشتاء من ناحية ثانية.

وهذه هي المرة الأولى منذ 2007 التي تغيب الحاملتان من الشرق الأوسط  الأمر الذي شكل اشارة مغرية لأعدائها الاقليميين والدوليين، ايران وروسيا, واضطر فرنسا لارسال حاملتها شارل ديغول للتعويض لملء الفراغ مؤقتا, بيد أن الأثر السيء للانسحاب الاميركي أعطى مفعوله الضار, وفتح ابواب الشرق الاوسط للروس, وارسل اشارة سلبية شجعت الايرانيين على زيادة تورطهم في سورية والعراق ولبنان دون قلق!

ترسانة الاسلحة الروسية

أما بالنسبة للأسلحة التي نشرتها روسيا في سورية وفي ومحيطها الجيوبوليتيكي , وخاصة البحار  فهي بدورها تعزز الاستنتاجات السابقة وتوضح أن الأهداف الروسية تتجاوز سوريا كما قال سكرتير عام الناتو ووزير الدفاع الاميركي.

لقد نشرت روسيا في سورية قبل أيام قليلة منظومات صواريخ مضادة للطائرات الحربية التي لا يملكها الثوار السوريون ولا يتصور أن تحتاجها , فهي تفترض أن يقوم (ارهابيون) بخطف طائرات حربية من إحدى الدول المجاورة ويهاجموا قاعدتهم في اللاذقية كما قال الجنرال فيكتور بونداريف لصحيفة كومسومولسكايا برافد «فكرنا في الأخطار المحتملة كافة. لم نرسل مقاتلات وقاذفات وطائرات مروحية وحسب، بل أنظمة صواريخ ايضا» وهي مجرد ذريعة لتغطية أهداف أبعد لانتشارهم العسكري في المنطقة.

لاحظ المحللون العسكريون أن الروس ركزوا على نشر اسلحة صاروخية بما فيها باليستية عابرة للقارات بالدرجة الثانية بعد تركيزهم على سلاح البحرية. ومعروف أن سلاح الصواريخ يخفف الاعتماد على سلاح الطيران, ويقلل الخسائر المحتملة, خصوصا إذا أطلقت من البحر، وفي كل الأحوال فهذه الصواريخ لا تهدد الثوار السوريين فقط, بل تهدد دولا ذات بنيات عسكرية وجيوشا أقوى وأكبر كتركيا وقطر والسعودية والاردن مثلا.

فصاروخ كاليبر الذي يوازي كروز الأميركي يزن نصف طن , ويتراوح مداه بين 1500 و2500 كم ويطلق من السفن, ويستعمل لتدمير أهداف ثابتة كالمطارات والمستودعات الحصينة, والموانىء والمنشآت الضخمة .

ويرجح موقع “ذي انتربريتر” أن تكون لدى السفن الروسية صواريخ من عيار 3 أم 14 المعروفة باسم (أس أس – أن – 30 آي) التي تستطيع اصابة أهدافها بعد عبور مسافات طويلة. ونسخ باليستيّة من تلك الصواريخ التي يمكن اطلاقها من الغوّاصات ايضا.

“الناتو” والتوسع الروسي في البلطيق والمتوسط والاسود

ويشير موقع “غلوبال سيكيوريتي” الى أنّ لدى البحرية الروسية أيضا صواريخ بولافا (أس أس -أن أكس- 30) الباليستية  التي يمكنها حمل 10 رؤوس متفجّرة يصل مداها بين 8000 و10000 , ويبلغ وزنها بحسب الموقع 70 طنّاً , وحتى عام 2013 تم تجرّيبها 20 مرّة وفشل في ثمانٍ منها . ما يوضح مدى حداثته وانتاجه, ويعني أنه قد يستعمل للمرة الاولى في سورية , مثله مثل أنواع عديدة من الاسلحة التي تدخل الخدمة للمرة الأولى.

يأتي بالدرجة التالية أيضا مفاجآت سلاح الطيران الروسي الذي استعمل للمرة الأولى أنواعا حديثة من الطائرات القاذفة المقاتلة , وخاصة سوخوي 34 وسوخوي 35 اللتين لم يشاركا في أي حرب, ولم تحصل عليهما أي دولة أجنبية حتى الآن .

ويستعمل الروس الآن في سورية طائرات حربية قاذفة ومقاتلة وهلوكبتر, بعضها على الارض, وبعضها على حاملة طائرات في البحر.

وتنتشر هذه الطائرات في اربع قواعد, أهمها مطار باسل الاسد قرب اللاذقية, وثانية قرب طرطوس, وثالثة قرب حمص وحماة, والرابعة قرب دمشق, ولهذا الانتشار مغزاه إذ يشير للمناطق الحيوية التي يريد الروس حمايتها ويسميها الاسد (سوريا المفيدة). ويوجد فيها 34 طائرة مقاتلة وقاذفة , أهمها السوخوي من طرازات متنوعة سو 24 وسو 25, وسو 30 وسو 34 , والاخيرتان تثيران اهتمام الغرب بسبب حداثتهما وقدراتهما العالية.

وفي الترسانة أيضا طائرات ميغ 29 و31. وفيها أيضا طائرات هلوكبتر حديثة جدا, وتسمى إحداها (الدبابة) بسبب وزنها وقدرتها على حمل صواريخ عديدة ومناعة معدنها أمام الصواريخ والمضادات والقذائف العادية.

وحشد الروس أيضا طائرات بلا طيار للتجسس , تستعمل للمرة الأولى ولكنها أقل كفاءة من مثيلاتها الغربية, استطاع الاتراك اسقاط واحدة منها , والثوار واحدة أخرى.

ويلاحظ الخبراء العسكريون الذين يتابعون الحرب الروسية على سورية أن الروس يستعملون تشكيلة واسعة من القذائف بعضها تقليدي و”غبي” لا يصيب أهدافه بدقة, وبعضها موجه بالليزر ويستطيع اصابة أهدافه بدقة.

ولاحظ الخبراء استعمال الروس لقنابل انشطارية وعنقودية , وفسفورية , محرمة دوليا وثقتها هيومان رايتس ووتش بافلام تصور هجماتهم التي تسببت بقتل المدنيين في كثير من الاحيان وفشلت باصابة اهدافها العسكرية .

أما بالنسبة للقوات البشرية, فالدوائر الغربية تؤكد وجود 4000 عسكري روسي حاليا على الارض السورية, وكان عددهم  قبل العدوان 2000 عسكري بين مستشار وخبير, ثم ارتفع الى ضعف العدد السابق, ويرى بعض المراقبين أن العدد مرشح للازدياد بسرعة تلبية لحاجات التورط القتالي المتصاعدة. وتوقع كرستوفر هارمز من معهد دراسات الحرب ارتفاع هؤلاء الى 8000 في غضون فترة وجيزة, خصوصا بعد ما بدأت تظهر أخطاء تقديراتهم المسبقة, وأولها أنهم  بنوا حساباتهم على أن يقوموا بالتغطية الجوية بينما تقوم قوات الاسد بالقتال على الارض, بمساعدة القوات الايرانية والميلشيات الشيعية, وقد ظهر عقم حساباتهم بسبب الانهيار التام لقوات الاسد وضعف الحلفاء الايرانيين على القتال الميداني, مما دفعهم لتغييرها واضطرهم لارسال قوات برية للقتال في بعض المناطق, لا سيما القريبة من الساحل ومن قواعدهم .وكشفت (مذابح الدبابات) التي منيت بها قوات الاسد, والخسائر البشرية الكبيرة للايرانيين وحزب الله أن القتال البري بمواجهة الثوار لن يكون سوى مصيدة لهم اذا نزلوا على الارض, قد تضطرهم للانسحاب من المستنقع السوري لكيلا يتحول الى أفغانستان أخرى.

ويؤكد مراقبون اميركيون أن الروس اختبروا النزول على الارض ومقاتلة الثوار في الساحل, وتكبدوا خسائر فتوقفوا عن القتال بهذه الطريقة. ويؤكد هؤلاء كما تؤكد مصادر الثوار أن الروس خسروا جنودا في القتال البري .

استنتاجات سياسية :

تبرزهذه الصورة لحجم وطبيعة الوجود والتورط العسكري الروسي في سورية وفي محيطها البحري الواسع جملة من الاستنتاجات والحقائق السياسية المهمة التي تزيل الغموض عن اهداف الكرملين الاستراتيجية الحقيقية ومدى تورطهم واحتمالات تطوره. وأولها أنه جزء من تحرك واسع يمتد من البلطيق الى قزوين لتأكيد قوة وهيبة الامبرطورية الروسية في العالم, ومحاولة التوسع في المناطق التي تتوفر فيها الظروف الملائمة لملء الفراغ الذي احدثته سياسة التراجع الاميركية في عهد أوباما, ولا سيما في نطاق الشرق الأوسط والبحر المتوسط.

كما تشير الى تراجع أهمية الشرق الاوسط في أولويات الولايات المتحدة مقارنة مع الشرق الاقصى, حيث تتعاظم تحديات الصين وكوريا الشمالية لمصالح وهيبة الولايات المتحدة وحلفائها الكبار هناك كاليابان وتايوان وكوريا الجنوبية.. إلخ. وبالمقابل يشير الى أن الولايات المتحدة تبدي تساهلا واضحا أمام مساعي الروس والايرانيين لفرض هيمنتهم على الشرق الاوسط , ولا أحد يدري حاليا إذا كان هذا الامر يمثل تحولا تاريخيا ثابتا ونتيجة من نتائج اتفاق فيينا النووي مع ايران, أو إنه عارض مؤقت سيخضغ للمراجعة بعد نهاية ولاية اوباما العام القادم .

وتشير الاستنتاجات من ناحية أخرى إلى زيادة واضحة في انفاق الروس على مشاريعهم العسكرية لتطوير صناعتهم وبناء ترسانتهم الحربية, مما يوحي باستمرار طموحاتهم لاستعادة دورهم العالمي كقطب منافس للغرب, وهو ما ينطوي ايضا على احتمال تجدد الحرب الباردة أو الصراع على مناطق النفوذ كما رأينا في مناورات البحر المتوسط في الشهرين الاخيرين حيث وصفها بعض المحللين بأنها أكبر (أرمادا) روسية – اميركية عسكرية في البحر المتوسط حتى الآن.

وتشير أيضا إلى أن الوجود الروسي الحربي في سورية لن يكون قصير المدى كما وعد المسؤولون في موسكو في بدايته, لأن حجم الاسلحة المستعملة او التي يجري حشدها وطبيعة الاهداف الاستراتيجية لها يدل على عزمهم الاقامة لمدة طويلة, وهو ما شار اليه بيان للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية, وحذر من ان التدخل الروسي يحمل في طياته أهدافا استعمارية على مستوى المنطقة بالتعاون مع الايرانيين بما فيها احتمال تقسيم سوريا بعد احتلالها, وفرض النظام الذي يناسب مصالحها هي, سواء بوجود الاسد أو بدونه اذا اقتضت الضرورة والمصلحة الروسية.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى