مقالات

أوروبا وفلسطين.. تعاطف متعاظم وعداء قديم!

“المدارنت”
سجّلت إسبانيا إشارة على تغيّر أوروبي كبير حين وصف رئيس وزرائها بيدرو سانشيز إسرائيل، أول أمس الأربعاء، بأنها «دولة إبادة جماعية». الإشارة جرت خلال سياق مهم أيضا وذلك خلال جلسة مساءلة في البرلمان تعرّض فيها سانشيز لانتقادات من قبل نائب كاتالوني تتهم الحكومة الإسبانية بالإبقاء على العلاقات التجارية مع إسرائيل، أي أن الانتقادات جاءت من طرف أكثر مناهضة لإسرائيل من رئيس الحكومة نفسه، مما دفعه للتأكيد على أن بلاده لا تتعامل تجاريا مع «دولة الإبادة الجماعية» إسرائيل.

في اليوم التالي على تصريح سانشيز أثارت رئيسة بلدية أمستردام، فامكه هالسيما، جدلا كبيرا بوصفها هي أيضا ما ترتكبه إسرائيل بإبادة جماعية، مطالبة حكومة هولندا بالوقوف «إلى جانب الفلسطينيين وسكان غزة، الذين يقتلون بوحشية»، ومستندة في تصريحاتها إلى مرجع مهم في هذا الموضوع هو مدير المعهد الهولندي لدراسات الحرب والهولوكوست والإبادة الجماعية الذي خلص بعد تحليل علمي إلى أن ما تقوم به إسرائيل هو إبادة جماعية.
طالبت هولندا بالفعل المفوضية الأوروبية بفحص امتثال تل أبيب للمادة 2 التي تربط الشراكة الأوروبية معها باحترام حقوق الإنسان، وحضر هذا الموضوع أيضا خلال لقاء تلفزيوني مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء الماضي، الذي قال إنه أحد القادة القلائل الذين وصلوا إلى معبر رفح حيث رأى «أسوأ المشاهد»، واستنكر «منع الإسرائيليين دخول كل المساعدات» وأشار إلى أن إعادة النظر في اتفاقات التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل «مطروحة بجدية».
تعرّضت هذه المواقف، بالطبع، لأشكال التنمّر الإسرائيلي المعروف، فقد سبق لتل أبيب استدعاء السفيرة الإسبانية لجلستي توبيخ خلال أسبوع واحد بعد تصريح لسانشيز قبل سنتين قال فيه إن إسرائيل لا تلتزم بالقانون الدولي، كما وصف رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو تصريحاته بـ«المخزية»، ورد سفير إسرائيل في هولندا على رئيسة بلدية أمستردام قائلا إنها «تتجاهل معاناة الضحايا الإسرائيليين»، كما هاجم نتنياهو ماكرون بعد مقابلته الأخيرة باستخدام تهمته المعتادة بوقوف الرئيس الفرنسي «بجانب حماس» الخ.
تظهر الشكاوى وأشكال الغضب التي يطلقها مزارعون ومصدّرون من إسرائيل من اتساع نطاق مقاطعة منتجاتهم في أوروبا بدورها أن التصريحات السياسية الأوروبية الآنفة تتفاعل، على ما يبدو، مع تغيّرات في اتجاهات الرأي العام الأوروبي بما يخص الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
آخر الأنباء في هذا الصدد كان إعلان شركة «كو ـ أوب»، إحدى أكبر سلاسل المتاجر الكبرى في بريطانيا، التوقف عن استيراد قرابة 100 منتج من إسرائيل على خلفية مسؤوليتها عن انتهاكات حقوق الإنسان ضد الفلسطينيين. اللافت في هذا القرار كان استشهاده باقتراح سابق تم تمريره في أعقاب اجتياح أوكرانيا عام 2022 لمقاطعة المنتجات الروسية. جاء القرار بعد تصويت قام به أعضاء الشركة ذات الطابع التعاوني، وهو يصلح أخذه كمثال لارتقاء في الوعي الشعبي الأوروبي، ولرفض ازدواجية المعايير التي داومت الحكومات الغربية على اتخاذها كلما تعلّق الأمر بإسرائيل كما لو كانت دولة فوق القوانين الدولية ومعفاة من المسؤوليات الإجرامية والإرهابية التي ترتكبها.
أحد المستجدات اللافتة أيضا أن مقاطعة المنتجات الإسرائيلية التي تشمل بريطانيا والنرويج وسويسرا وبلجيكا وإيطاليا امتدت أيضا إلى ألمانيا التي لديها تقاليد سياسية عميقة بالدفاع عن إسرائيل (ومثالها ما كان مستشارها المنتخب مؤخرا قد قاله قبل وصوله لمنصبه عن إمكانية استقبال نتنياهو رغم طلب المحكمة الجنائية الدولية اعتقاله!) وحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» فإنه صار «من الصعب وضع منتجات إسرائيلية على أرفف المحلات عندما تكون عناوين الصحف (إبادة جماعية)».
مقابل هذه المواقف الرسمية والشعبية الواضحة في تعبيرها عن تعاطف متصاعد مع الفلسطينيين فإن مواقف بعض الحكومات الأوروبية تشير إلى تواصل الولاء الغربي القديم لإسرائيل، كما هو الحال في إعلان الحكومة البريطانية قبل أيام عن خطط لحظر مجموعة «العمل من أجل فلسطين» وتصنيفها جماعة إرهابية وهي مجموعة عمل مباشر سلمية «تلتزم بإنهاء المشاركة في نظام الإبادة الجماعية والفصل العنصري الإسرائيلي»، كما يقول موقعها الإلكتروني.
مفهوم أن عناصر «الولاء والبراء» لإسرائيل في الغرب ما تزال مستحكمة في ردهات الحكم ولوبيات النفوذ السياسي والمالي لكنّ هذه العناصر تتآكل، مع ذلك، بفعل تعاظم الهمجية الإسرائيلية المنفلتة من عقالها، وظهور مواقف سياسية شجاعة كبيرة من قادة غربيين، وكذلك نتيجة الأعمال الهائلة التي يقوم بها ناشطون أجانب وعرب، والتي كان آخرها محاولة وصول أسطول الحرية إلى غزة.

رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى